محمد خوجة يحكي عن أول عرض مسرحي شاهده في أحفير
مشوار موقع
07 10 2019 - 08:44
1922 قراءة


أحـفـــيـر
بقلم محمد خوجة

المرة الأولى في حياتي التي حضرت فيها لعرض مسرحي، كانت في أواخر الخمسينيات بمدينة أحفير أثناء الجولة التي قامت بها فرقة مسرحية للهواة تابعة لجبهة التحرير الوطني. هذا الحدث الفني تم إجراؤه بحظيرة الحاج السي ميمون رحمه الله، و التي كانت تستعمل أيضا كمربض للحيوانات و كفضاء لتخزين البضائع. و لقد تم العرض المسرحي ليلا، لكن هذا لم يثني حضور غفير جاء من كل أنحاء المدينة، بل أيضا من البادية، لمشاهدة المسرحية و للفرجة. لأن مثل هذه الفرص لم تحدث إلا نادرا إبان تلك السنين العجاف ما قبل الاستقلال. زيادة عن هذا، تعتبر هذه التظاهرة الفنية فرصة فريدة لا يجب أن تفوت. و إني ما زلت أتذكر ذلك اليوم المعلن عنه عبر شوارع و أزقة المدينة من طرف "براح العرفة"، و الذي كان يشتغل أيضا كبراح للمدينة. كان رحمه الله رجلا شهما ذو قامة طويلة و كان به عرج خفيف في مشيته.

و قد تم وضع منصة للعرض المسرحي خصيصا بهذه المناسبة، و هي عبارة عن أرضية من خشب وضعت فوق مناصب. و خلف هذه المنصة يوجد فراغ مستور بحجاب يستعمل كغرفة للفنانين. و تم عرض مشاهد كثيرة لمواقف مختلفة، منها المؤثرة و منها الهزلية.

و أتذكر على وجه الخصوص مشهدا هزليا عبثيا يظهر سجناء من جيش التحرير مقيدي الأيدي و الأغلال في أرجلهم و هم عند حلاق السجن، حيث تم إجلاسهم و رصهم جنبا لجنب على مقعد طويل من قبل حارسين اثنين باشرا بعد ذلك بطلاء وجوه السجناء بواسطة فرشاة كبيرة كانوا يغمسونها في إناء مملوء من دقيق محاكاة لفرشاة و صابون الحلاقة. بعد ذلك وقف هؤلاء الزبانية متقابلين على جانبي المقعد قابضين بمنشار حطاب كذب محاكاة لشفرة حلاقة، ثم شرعا في " نشر جماعي" للحى أولئك البؤساء.

و قد تم عرض مشاهد أخرى لم أعد أتذكرها جيدا حيث كانت تتخللها فواصل يتم أثناءها عرض أناشيد وطنية من طرف جنود يرتدون زيا عسكريا أخضرا كاكيا. و قد أضفت التصفيقات الحارة و المتتالية للحضور جوا عيديا و حميميا بين الجمهور و الفنانين. كل هذا كان من شأنه المساهمة في تدعيم روابط التضامن والأخوة بين الجزائريين و المغاربة.

و تجدر الإشارة أنه رغم قلة عددها، لم تكن المرة الوحيدة التي تحل فيها بمدينة أحفير فرقة فنية تابعة لجبهة التحرير الوطني. لقد احتضنت قاعة سينما الوليد رحمه الله عروضا أخرى مماثلة حيث كانت مرفقة بأشرطة وثائقية وإخبارية تتعلق بالكفاح المسلح من أجل الاستقلال. و كان النساء و الأطفال يحضرون الحصة النهارية، أما الحصة الليلية فكانت مخصصة للرجال.

كانت تلك الأيام جديرة بالذكر، حيث كانت تمثل أوقاتا استثنائية بالنسبة لسكان أحفير، و التي مع الأسف الشديد لم يعد أحد يذكرها. كما أضن أنه من المهم بمكان إحياء ذكريات هذه الأحداث التي تعد من تاريخ هذه المدينة و التي أثرت إلى حد ما على شخصية و مصير شريحة لا بأس بها من "أحفيريي الضفتين" إن صح التعبير.

محمد خوجة
2009
* رابط الأرشيف :


art. n° 1012











معلومات
للإتصال بنا
إتصل ب akae
باريس ~ فرنسا
ici.ahfir@gmail.com
© 2019 - akae.ahfir.eu