قفاً نحكِ...من ذكرى حبيب
خواطر نثرية
07 11 2019 - 09:10
101 قراءة


خاطرة بمناسبة ذكرى مولد سيد الأنام محمد صلى الله عليه وسلم
..
قفاً نحكِ.. من ذكرى حبيب..

هو الحبيب.. سام سناؤه وسناه.. تعرفته روحي صبيا، فتعلقته... لكنني - أقر- جفوته فتى فكهلا ثم كبيرا، ولا عذر لي.. فهل لي من شفيع عنده؟

أصل قصتي ليلة.. ليلة لا كسائر الليالي....ليلة مولده المنير فجرا...ليلتها عرفته،ولج الوجدان سماعا شجيا.. صغيرا صغيرا كنت.. صبيا يرى متشبثا بتلابيب أمه ..

ليلة كانت تقام كل عام في منزل من منازل دوارنا بالتناوب.. لم أتذكر كيف احتفى الرجال بتلك الليلة..كان الأطفال غير مرغوب فيهم في جمع الرجال.. كنا غالبا ما نُذاد عن مجامعهم، وليلتهم تلك ليلة قرآن وذكر وحضور وجد ووجد، ونحن أبدا مشاغبون.. ولكن كنا ندخل مجمع النساء.. فيا لها من متعة ...هن دائما أحن وأرأم بالأطفال. كان جمعهن يضم العجائز والشابات والصبايا الصغيرات.. ويصدحن بالغناء مصحوبا بالبنادير:
" آعيشة لا ترگدي*** الليلة يزيد النبي
أمينة ولدت ***وحليمه ربات
أَسِيدْ الميلودْ مّا مكَحْلو ب عيون! *** مشى لـ خْوالو ما بْغاوْ يَطّلقوه اليوم.
ثم تليها لهلهات "فقيرات" الدوار والدواوير المجاورة.. كنت/كنا نطرب لهذه الأهازيج التي ترددها النساء والفقيرات في صف قائمات أو في دائرة وهن جالسات. ويستمر احتفالهن إلى غاية الفجر أو الصباح، فيعدن إلى بيوتهن وقد حملن صبيانهن على ظهورهن أو يجرجرنهم بأيديهن وهم شبه نيام..

وأذكر يوما.. في أمس المولد أو بعده... يقصد بعض كبيرات السن والكهلات وحتى بعض الشابات منزل "مقدم "طريقة صوفية في الجبل... رجل مهيب،معروف بزهده وتقواه وحب الناس إياه... وقد استمر احترام الناس له ولزوجه حتى بعد وفاتهما. تقدير ليس فيه تقديس أو أي شبهة تنزل الزوجين منزلة خرافية ... كان يتشفع لهم ويصلح بينهم... وكان المولد مناسبة تجمع "الفقراء"و"الفقيرات" في بيته. وكانت قلة من الأطفال الصغار يصحبون أمهاتهم... وكنت منهم..الطريق من الدوار إلى منزل "المقدم" طويلة وصاعدة إلى الجبل المجاور، وتستغرق منا ساعات الصباح إلى الظهيرة.. والمشي بها كان على الأرجل... لا أذكر إن كنا نحس بالتعب أو لا نحس. كنا صغارا لا نبالي..كان يحدونا مجرد حب الصعود إلى الجبل، والتعلق بتلابيب أمهاتنا، وفضول ..ربما كان يدعوني بلا وعي مني الطرب إلى غناء شجي تشربته النفس منذ ما لا أعقله من وجودي الأول، في احتفالات المولد بدوارنا.

لم أكن أذكر من مقامنا تلك الليلة في منزل "المقدم" غير أصداء الذكر والإنشاد من غير جذب ولا "حيرة " ولا صعق ولا زعيق. كما نسمع الآن في حلقات الطرق الصوفية... يفتر شغبنا الطفلي تلك الليلة..يخدره أمر غامض فينا يهدهدنا فننام في الزوايا أو لصق ركب أماتنا.. ولن أنسى أبدا أن زوجة المقدم كانت تتوسط مجلس النساء بلباس أبيض، وتحدثهن في السيرة النبوية كما كنت أخمن وتروي أحاديث نبوية.. بعضها- وهذا أتذكره جيدا- كانت تقرؤه من ظهر وريقات اليومية المعلومة آنذاك...كان صوتها حنونا حنونا...ووجهها بدر بهالة...وكانت إلى ذلك مليحة كملاك رغم كهولتها.

وأتذكر تلك الليلة بالجبل أنني تعرفت ابنا للمقدم..أسمه خالد.. في مثل سني أو أكبر بقليل أو أصغر...وكان معي لطيفا جدا ..خرج بي في الصباح إلى تلة صغيرة بها أشجار اللوز.. وأسقط بعض الثمار وأذاقنيها وكانت مازالت "فريكا" غضا أخضر.
وبعد ساعة أو أكثر، كان لابد أن نعود مع أمهاتنا إلى مساكننا...

توادعنا أنا وخالد على أمنية نفس بلقاء.. لكن لم أره بعد ذلك أبدا.. أنا أتذكره جيدا..لأنني كنت ومازلت أعز الصداقة كثيرا منذ طفولتي.. ولا أدري إلى اليوم هل ما زال يتذكرني، أم كنت له مجرد طيف سرى ليلة مولد...هو لي ومني طيف لطيف إلى اليوم..أينك ياخالد؟

خلال الطريق كانت النساء يقتلعن بعض الأعشاب البرية ،فواحة الأريج، المغسولة بالأنداء البلورية والنسائم العليلة كالزعتر وإكليل الجبل (أزير)، ونعناع البرية (فليو) ومرِّيوة. لاستعمالها مع الشاي وفي التطبيب الشعبي..

مر الزمان بنا سريعا، وتقلبنا في بلاد الله.. وكبرنا..
لمزك الغربان.. شتموك.. و حاد عن نهجك الأهلون، جهلوك..وسمعنا من يقول منهم: إن الاحتفال بذكرى مولدك بدعة وضلالة.. من يلهج بذكر الله وذكرك يا محمد، أضال هو ؟!

فليتك يا ليلة المولد تعودين بخدرك الشهي ، وجمعك البهي النقي، وإنشادك الشجي، عطرة بروحانيتك... وشجوك.. وحبك ...فأنا بنار التوق انتظرك ...طفلا يلهو ويلعب كنت أنتظرك...مُربَّباً بروحانيتك.. وشيخا بروح طفل الفطرة أنتظرك..مغمورا بأصداء ذكرك وذكرى مولد الحبيب محمد، ىالله عليه وسلم! صلى الله ! صلى الله عليه وسلم.

عبد المالك المومني


art. n° 1098











للإتصال بنا
إتصل ب عبد المالك المومني
القنيطرة
moumni@ahfir.eu
© 2019 - khadra.ahfir.eu