أحفير : استراحة «النوّاش»
مقالات
19 11 2019 - 11:41
330 قراءة


أحفير : مستقبل الماضي.. أو ثورة الغياب.
..
الساعة تشير إلى السابعة صباحا.. الجو قارس..
مباشرة بعد صلاة الفجر، رجال الأمن ورجال القوات المساعدة يستعدون كالأيام السابقة..
عصيّ وهراوات.. السيارات تنتظر إشارة قائد الوحدة الأمنية للتوجه إلى "كاتروت"؟؟ !!
تعوّدَ رجال الأمن على هذه الشعيرة لأن الأمر أصبح مألوفا منذ 34 يوما.. قوات الأمن والقوات المساعدة ينزلون مدججين إلى ساحة «الوغى» والشعب تعود على رؤيتهم إلى درجة أن البعض يلتمس من بعضهم عود ثقاب ليولع سجارة للتدفئة..

طوال هذه الأيام من سنة 2025 يضرب الشباب موعدا بساحة «الصمود» لمدينة أحفير : عمالة إقليم أحفير.. هكذا سميت «كاتروت» منذ اليوم الثالث من بداية الوقفات الاحتجاجية على الأوضاع المزرية التي مست المجتمع والشباب بدرجة أولى حيث قررت الحكومة توقيف التشغيل بالوظيفة العمومية إلى غاية 2030..

تقريبا من التاسعة صباحا إلى غروب الشمس من كل يوم والشعارات السلمية.. والأشعار.. والسلامات.. والخطابات.. تطلقها حناجر الشباب المثقف.. كلهم من خريجي الجامعات ومعاهد التكوين أو يتابعون دراساتهم العليا.. وكثير منهم من تلامذة الثانويات..

محاطون من كل جهة بالأمن.. ولكن الشباب متشبث بعدم الرد على الاستفزازات «الهراوية».. بل أن بعض الشابات كن يحملن في كل يوم باقات من الزهور ويرمينها على القوات «المرابطة».. ويزغردن ويتمنين لهم حضورا طيبا.. هذه الشعيرة النضالية كن يقمن بها قبل صلاة الظهر وكان الشباب يسميها باستراحة «النواش».. وكان الجميع يردد : «أنتم الشعب ونحن الشعب، عاش الشعب»..

استمرت الوقفات.. والاحتجاجات.. والتنديديات.. ولكن لا حياة لمن تنادي؟ ! ..

في اليوم الرابع والثلاثين بعد صلاة العصر.. فالصلوات كانت تقام جماعة.. الشباب في المقدمة والشابات في الخلف.. بعد السلام لم يقف الشباب وكونوا جماعات جماعات.. خليات في حلقات – حوالي 10 أشخاص، يربط بين كل حلقة وحلقة شاب.. في صمت رهيب وأمام لوحة بشرية فنية رائعة أدهشت القائد المسؤول عن الأمن لم ينفعه لا رجال المخابرات ولا الشيوخ والمقدمين في فهم هذا اللغز.. بدأت نوافذ العمارت المحاطة بالساحة تفتح تباعا لأنها لم تتعود على مثل هذا الصمت والهدوء؟ ! ماذا حدث؟ من الأعلى المشهد أكثر روعة ولكن الحيرة بادية على وجوه الساكنة المطلة من النوافذ..

كالعادة انفض الشباب قبل الغروب وعلى غير العادة تفرقوا والصمت الرهيب يصاحبهم.. رجال الأمن ورجال القوات المساعدة مكثوا «مسمرين» في أماكنهم على غير العادة لأنهم في الأيام السابقة كانوا ينتظرون رحيل الشباب بشغف فكانوا يلتحقون بالسيارات قُبيل تفرقة الشباب..

كثرت التأويلات.. وكثرت الاستفسارات.. وكبرت حيرة القائد المسؤول.. لأن جهاز التسريبات تعطل هو الآخر بشكل رهيب..

يوم الإثنين 13 يناير 2025، بعد صلاة الفجر.. شعيرة رجال الأمن الصباحية وإعداد العدة للتوجه إلى «كاتروت».. الوصول إلى الساحة.. القائد المسؤول على السرية المخضرمة من قوات الأمن والقوات المساعدة يعطي تعليماته كالعادة ويحث على الحذر واحترام الأوامر..
التاسعة.. ولا واحد..
العاشرة.. ولا واحد..
كل ما في الأمر مرة مرة امرأة عجوز أو رجل مسن أو طفل يقطعون الطريق.. غريب ؟ أين ذهب الشباب ؟ هل غيروا ساحة «الوغى؟».. هل توقفوا عن الاحتجاج ؟ هل هم في استراحة ؟ التساؤلات بدأت تقلق القائد المسؤول الذي كثرت إشاراته ومهاتفاته.. رجال المخابرات لم يصطادوا ولو خبرا هزيلا، ولو إشاعة ثمنها حقيقة.. «الشيوخ» و«المقدمون» و«الكوراطة»، يسرعون الخطى في كل اتجاه علهم يجدوا شابا واحدا.. لا أحد..

سيارة سوداء بسرعة فائقة تصل إلى «كاتروت».. عامل إقليم أحفير بنفسه وبزيه الرسمي.. إنها الحرب ؟ يشير إلى القائد المسؤول الذي كان متوجها إليه وبعد الإشارة يهرول.. إشارات حديث.. شجب.. يعود العامل إلى سيارته ويعرج على شارع الحسن الثاني وعجلات سيارته تشتت التراب المتراكم على زفت الطريق بسبب السرعة الفائقة.. غريب .. العامل يسوق بنفسه سيارة الخدمة.. الكل متوتر مع أن الحالة هادئة والشباب غائب؟؟؟

استمرت الأوضاع على نفس الوتيرة سبعة أيام.. كل صباح رجال الأمن يحيطون بمكان فارغ من التاسعة إلى غروب الشمس؟؟ ولا شاب خرج إلى الوقفة؟

عـُلم أن الشباب في سرية كاملة، بعد أن طالت وقفاتهم بدون أي استجابة لمقابلتهم من طرف المسؤولين عن الحكومة، قرروا تغيير أسلوب النضال.. قرروا عدم الخروج من مساكنهم.. قرروا ترك فراغ في السلسلة المجتمعية.. فالمجتمع سلسلة مكونة من حلقات – حلقة الأطفال، حلقة الشباب، حلقة الآباء، حلقة الشيوخ.. وفي غياب أحد الحلقات فالمجتمع سينهار آجلا أم عاجلا..

تحياتي ومودتي..

صبيحة 2015.01.28
(إعادة النشر مع تنقيحات ظرفية)
باريس، 2019.11.19


art. n° 1123











للإتصال بنا
إتصل ب akae
باريس ~ فرنسا
ici.ahfir@gmail.com
© 2019 - akae.ahfir.eu