ذكرى المولد بين الإتباع والابتداع
مقالات
23 12 2019 - 21:54
139 قراءة



قال تعالى : {‏قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فلا أحد يجادل في كون محبة النبي صلى الله عليه وسلم من علامة الإيمان ولا يجادل أحد أن كل مسلم يُكن من الحب والتقدير والتعظيم لخير البرية صلى الله عليه وسلم ما الله به عليم. فهو صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من آبائنا وأولادنا وأنفسنا بل من صدق المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يستعد الواحد منا لإنفاق كل ما لديه مقابل رؤيته فقط!!

إن محبته وتعظيمه شيء والخروج عن منهجه وسنته شيء آخر ولو صلحت النيات!!

قال النبي صلى الله عليه وسلم (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) [البخاري] فلا بد لصحة العمل من شرطان أساسيان:
1-أن يكون خالصا لوجه الله تعالى.
2-أن يكون موافقا لسنته صلى الله عليه وسلم.

*******************

إن تخليد ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم أو اعتبارها عيدا هو من الأمور المبتدعة في الدين وهذا أمر تكلم عنه العلماء قديما وحديثا ولكن الناس لبستهم فتنة كما قال ابن مسعود رضي الله عنه!

لو كان في اتخاذ هذا اليوم منفعة أو كان ذلك عبادة لاتخذها صاحب الأمر لنفسه ولزكاها ربه جل وعلا من فوق سبع سموات والوحي ينزل ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل.

لو كان هذا الأمر مشروعا ومرغوبا فيه لاتخذه صحابته رضي الله عنهم وأولهم صديق هذه الأمة وبعده الفاروق ثم عثمان ثم علي ثم الحسن بن علي ثم معاوية رضي الله عنهم أجمعين، لكنهم لم يفعلوا!!

لو كان في ذلك منفعة أو مصلحة لسبقنا إليه التابعون وتابعيهم والأئمة من بعدهم في القرون الثلاثة المفضلة ولاتخذه المؤرخون المسلمون بداية للتأريخ، ولكنهم لم يفعلوا!

إن علماء الإسلام يعتبرون الاحتفال بهذا اليوم وجعله عيدا بدعة للأسباب السابقة، وأيضا لأن فيه تشبه باليهود والنصارى وهذه بلية أخرى ابتليت بها الأمة في هذا العصر!
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم ، شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم) . قلنا: يا رسول الله ، اليهود والنصارى؟ قال : فمن) [البخاري]

في مقابل هذا يمكن اعتبار تخصيص هذا اليوم للاحتفال مقدمة "خطيرة" لأسباب التالية:

*لم تتخذ الأمة هذا اليوم عيدا وهي في مراحلها الذهبية وتتخذه اليوم وهي في الحضيض؟!!
لهذا لم أجد علامة تدل على الابتعاد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أبلغ من هذه!

* هذه الأمة أُريد لها أن تجعل هذا اليوم مجرد ذكرى "تاريخية" تُضاف إلى الذكريات والأعياد الوطنية والدولية الأخرى كيوم الأرض ويوم البحر ويوم النهر... وهكذا.

*أننا "سنحتفل" بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم وهذا اليوم فقط! و لكن نعصاه باقي الأيام!!
وكأننا نقول له يا رسول الله -فداك أبي وأمي- هذا حقك في أيامنا، فدعنا في حالنا في باقي أيام السنة مع بيت الحكمة و "بيوت أخرى"!
دعنا أحرارا في لشواطئ والمهرجانات و مع الأغاني والاختلاط وأيضا مع الفساد والتسلط والظلم والرشوة والربا...
نعم دعنا أحرارا، فمقتضى الحداثة أننا قسمنا الأيام بطريقة "ديمقراطية" فكان حظك " يوما" اتخذناه لك عيدا!

*******************

إن إحياء البدع هي إماتة للسنة، ولهذا فانظروا كم بدعة "تُحيى في هذا اليوم"؟؟!
لقد غيروا لها اسمها –أي هذه البدع – لتتناسب مع الحداثة فصارت (الطقوس الدينية!)
إنها ببساطة طقوس الجذب والبخور والرقص والغناء وطبعا مع الأكل والشرب!!

إنه صلى الله عليه وسلم ما كان يتقرب إلى الله هو و صحابته رضوان الله عليهم بهذه الطقوس التي ما أنزل الله بها من سلطان بل قال تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} قال العلامة الشيخ ناصر السعدي رحمه الله (وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من إتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله،) فأين الإتباع؟!!


___________________________

المولد النبوي بين الاتباع والابتداع
وبيان قول ابن تيمية في ذلك
بسم الله الرحمن الرحيم

أشكر - أولا - الإخوان الذين تفاعلوا مع الموضوع كما أشكر طاقم الموقع على خدماته الجليلة .
فهذا الموضوع بتعليقات القراء الكثيرة بين أننا في هذه المدينة العزيزة استطعنا أن نناقش موضوعا حساسا وشائكا ولكن بطريقة حضارية مع احترام الآراء المخالفة .فأرجو أن يكون هذا الحوار بيننا بطريقة علمية ،تكون فيه الكلمة للدليل القوي والحجة الناصعة، فإن اتفقنا فنعم! وإلا فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
بالنسبة لكلمة " بدعة" فهذا موضوع شائك، فهناك البدعة الإضافية والبدعة الحقيقية وهناك البدع في العقائد والبدع في العبادات ...وهذه تقاسيم .
ويقسمون أيضا البدعة إلى حسنة وإلى سيئة وهو تقسيم لغوي وليس اصطلاحي! ولذلك شواهد كثيرة في الباب.

من جهة أخرى ،كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار لكن ليس كل من سقط في بدعة هو ضال وليس كل ضال هو في النار؟؟!!

هذا الاستلزام الرياضي غير صحيح البتة وأيضا الموضوع يحتاج إلى تفصيل دقيق...لأننا " قد" لا نسلم في حياتنا من البدع والضلالات...فنحن لسنا ملائكة!!ولهذا فإنك تجد من كبار العلماء والأئمة من سقط في كثير من البدع إما جهلا (لم يصله النص أو لم يصح عنده سنده ...وهكذا)وإما اجتهادا (خاطئا) وهذا أمر معروف عند كل من له بعض الدراية بعلوم الشريعة.

إن الذين يستعملون هذا الاستلزام صنفان من الناس:

الصنف الأول : الخوارج ومن سار نحوهم في هذا العصر من التكفيريين والجهاديين والذين يعتبرون" الإيمان لا يزيد ولا ينقص " أي أنه "ثابت" وأن الأعمال(إتيان الأوامر واجتناب النواهي) شرط صحة للإيمان وليست شرط كمال، أي يصح بها الإيمان ولا يكمل!!وهكذا فكل من لم يأت بعمل أو أتى ببدعة فهو كافر عندهم! وهؤلاء من شر خلق الله لأنهم يكفرون الناس ثم يستبيحون دمائهم!

الصنف الثاني: طائفة من المنافقين وهم في كل زمان يلبسون ثوبا فلا يخرجون من نفق حتى يدخلوا في آخر!. وهؤلاء يستعملون هذا المنهج لإثارة الشبهات على العلماء والدعاة وطلاب العلم ظنا منهم أن حيلتهم تنفعهم! وأن الناس لا يعرفون حقيقتهم!!فهم يسعون دائما لخلق الفتن والشقاق والبغضاء بين مدارس المسلمين ومذاهبهم ويستغلون هذه الأمور" لكب الزيت على النار" ولا يخفى على أحد أن هناك مراكز ومعاهد للدراسات تسعى لهذا الأمر[1]. وما نراه في كثير من المواقع من كتابات وتعليقات (من باب حرية الرأي )...ما هي إلا تنفيذ لأجندة هؤلاء القوم سواء عن قصد أو عن غير قصد!

فيما يخص هذه الذكرى الغالية لمولد حبيبنا ونبينا وسيد الخلق أجمعين أضع بين يدي القارئ بعض الأمور:
* أن هذا ليس قولي ولا يحق لمثلي أن يقول أو أن يجتهد! وإنما أنا ناقل!!

* كلمة " بدعة " لا تخص فرح المسلم بذلك اليوم واستحضاره لسيرة لهذا الرسول العظيم صلوات الله عليه أو أن يستغل الذكرى لتجديد إيمانه وتوبته وعزمه على خدمة هذا الدين وعلى إتباعه صلى الله عليه وسلم... وإنما تخص " تخصيص" هذا اليوم بهذا العيد دون سائر الأيام وإلا فلماذا لا نحتفل بفتح مكة وبغزوة بدر الفاصلة بين الكفر والإسلام !!وبيوم زواجه صلى الله عليه وسلم وبيوم نزول القرآن عليه أول مرة وهكذا...
إننا سنجد كل أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم تستحق أن تكون أعيادا ولكنه لم يأمرنا بأي واحد منها!
ومضى المسلمون قرونا بعده لا يحتفلون بهذا اليوم!

*إن تخصيص يوم أو أيام معدودة لتذكر النبي صلى الله عليه وسلم هو في حد ذاته استعداد لنسيانه باقي أيام السنة! وهذا وصف صحيح ينطبق علينا وإلا كيف نحتفل وسنته صلى الله عليه وسلم تُحارب وتصادر!!وشريعته تُنسخ من الدساتير والقوانين؟! وهذا ما حذر منه علماؤنا وقد صرنا إليه!
إنه تناقض صارخ!!

*أن من رأى أن الاحتفال مشروع سواء تقليدا أو بعد النظر والاستدلال واحتفل دون ارتكاب المحرمات أو السقوط في الشركيات والمنكرات والبدع والخرافات(كحضور النبي صلى الله عليه وسلم معهم يقظة أو تكليمه أو....) فذلك حكمه حكم المجتهد إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد. ولا علاقة لهذا بالأخوة القائمة بيننا ولا بدخول جنة أو نار كما تم توضيحه سابقا وكما يتم الترويج له من طرف مرضى القلوب.

*يكفي –كما ذكر الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله – أن نعرف أن أول من احتفل بالمولد وجعله "عيدا " هو رجل يهودي (منافق) تسلل وسط الخوارج وأسسوا لهم دولة " الدولة العبيدية " بسجلماسة أي الريصاني حاليا، ثم الدولة الفاطمية في تونس، وسنعرف حينئذ خلفيات هذه الاحتفالات وأهدافها فمنهم من يثبت بها نفوذه ومنهم من يجمع بها الأموال ....وباقي المسلمين " المساكين " يستغلون فيهم العاطفة الدينية والحب الشديد لنبينا صلى الله عليه وسلم، وهذا لم يعد يخفى على أحد!.

• فيما يخص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فإنه لا يجيز تخصيص هذا اليوم بالعيد ويعتبره بدعة وقد قال كلاما دقيقا في كتابه( اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم):
قال : (وإنما الغرض : أن اتخاذ هذا اليوم عيدا محدث لا أصل له. فلم يكن في السلف لا من أهل البيت، ولا من غيرهم من اتخذ ذلك عيدا حتى يحدث فيه أعمالا.إذ الأعياد من الشرائع فيجب فيها الإتباع لا الابتداع)[2]

وقال أيضا : (وكذلك ما يحدثه بعض الناس إما مضاهاة للنصارى في ميلاد عيسى عليه السلام وإما محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيما له .والله قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع من اتخاذ مولد النبي صلى الله عليه وسلم عيدا، مع اختلاف الناس في مولده فإن هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه ولو كان خيرا محضا أو راجحا لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له منا وهم على الخير أحرص) [3]

وقال أيضا: ( فتعظيم المولد واتخاذه موسما قد يفعله بعض الناس ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم كما قدمته لك أنه يَحسن من بعض الناس ما يُستقبح من المؤمن المسدد)[4]

********************
***********

الخلاصة :
1-تخصيص هذا اليوم بالعيد أمر مبتدع لا خلاف على ذلك.

2-الاحتفال بهذه الذكرى العزيزة : أهل العلم فيها على رأيين :
* هناك من جوزها من باب استغلالها لتذكير الأمة بدينها وبنبيها وبسيرته العطرة....
*وهناك من منع مظاهر الاحتفال للدلائل السابقة وأيضا لأن تذكير الأمة بدينها واجب شرعي ينبغي أن يكون طيلة السنة وفي سائر الأيام. والخلاف في هذه المسألة يسير ومن تمعن في كلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم سيجد انه لا ينبغي أن ينكر أحد على أحد في هذه المسألة في مثل أحوالنا هذه الأيام!ولكل دليله.

3-الخلاف السابق لا يشمل المبتدعة الذين يستغلون هذا اليوم لينشروا فيه معتقداتهم الباطلة وبدعهم المختلفة من تبرك بالأحياء وتوسل بالأموات ومن "طقوس " ما أنزل الله بها من سلطان من رقص وجذب وهوس وإن تخللها تلاوات قرآنية أو دروس شرعية فتلك من الحيل لإقناع العامة بهذه الطامة.بل وجب على الذين يجيزون الاحتفال أن يكونوا أول المتصدين في هذه المناسبة لكشف أباطيل هؤلاء المشعوذين وألا يخالطوهم في احتفالاتهم إلا من باب التصحيح وإقامة الحجة !! وهذا ما لا نراه في واقع الحال!! بل أصبحنا نرى مخالطتهم وإقرارهم لتلك البدع بل وربما مشاركتهم إياهم فيها.
لقد أصبح الحال عندنا إن استغلت هذه المناسبة عند بعضهم للصلاة عليه بدل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم!!!! وأخذ البركة منه ومن مياه وضوئه ...!!! والحج إليه ....!!! شيعة جدد !!فلا حول ولا قوة إلا بالله.

لا ينبغي أن نسكت على هذا الشرك وهذا الاستغلال البشع لديننا ولهذا قلت سابقا أن كل من لديه منبر أو جمعية أو مسجد أو قسم أو موقع...وخصوصا الذين يتحملون مسؤوليات دينية ، أقول عليهم أن يتقوا الله وأن يبينوا للناس هذا الباطل وأهله لكي يجتنبوه وعليهم ألا يسكتوا عن هذا وإني أعتبر أن خير فرح أفرح به في هذه الأيام التي فيها هذه الذكرى العزيزة هي أن نكشف المتاجرين في هذا الدين .
ولله الأمر من قبل ومن بعد أما هؤلاء المبتدعة الذين ذكرتهم في آخر كلامي فقد قال في حقهم مالك رحمه الله ورضي عنه: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة!!اقرؤوا قول الله تعالى [ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا] قال مالك (فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا!!!)

[1] أنظر مقال الإسلام الأمريكي (1) و(2)
[2] اقتضاء الصراط المستقيم ص 267
[3] اقتضاء الصراط المستقيم ص268
[4] اقتضاء الصراط المستقيم ص269

محمد يونسي
نشر بموقع أحفير أوروبا يوم : 25 فبراير 2010


art. n° 1182











للإتصال بنا
إتصل ب يونسي
حي عواطف أحفير، المغرب
younsi51@hotmail.com

© 2020 - https://younssi.ahfir.eu