ذ.عبدالله الزغلي : عقيقة
مقالات
07 03 2020 - 13:57
266 قراءة

عقيقة
بقلم ذ.عبدالله الزغلي

لم يكن " بَنْشاقور " يهتم لشيء ، ولايتعب من أجل الحصول عليه ...
يسكن بيتا ، ورثته زوجته عن جدها ... أربعة جدران من الحجارة ، يعلوها سقف متهاو ، مهدد بالانهيار ...
كلما تساقطت الأمطار، حشر أبناءه في زاوية ، وحوّل الزاوية المقابلة ، إلى مطبخ ، يوفر الطعام والدفء في آن واحد ، وكذا الدخان الذي كان يقول عنه :
ــ الدّْخانْ ... يكّْـلَعْ الْمَرْضْ .....؟؟
في الأيام "المشمسات " ، ينقل المطبخ إلى الهواء الطلق .. خلف جدار البيت .
اختار ركنا من أركانه الأربعة ، واتخذه مكانا لنومه ، بالليل والنهار ... قطعة حصير متآكلة ، " هيْدورة " ، وسادة ، وشبه غطاء قـُدّ من أسفل ... لشدة التجاذب ، بين يديه ، ورجليه ..
فكانت ثقوبه أوسع من ثقب " الأوزون " ...
كان هذا حاله ، كثير الكلام إذا صادفته ، يتحدث في كل شيء ... في الدين ، في السياسة ، في التاريخ ، في الأخلاق ، في العلاقات الدولية ... مع أنه لايفهم في أي شيء ...
كلما أعياه التمـدد ، كان يخبر زوجته ، بأنه سينزل إلى العين ... ليستطلع أحوال الناس ، ويتعرف على جديد الأخبار
وكلما طلبت منه أن يبحث عن عمل ، أجابها ببرودة ... وبحكمته المعهودة :
ــ شُوفِي أَلـْـهِيهْ ......؟؟ !!
ــ كـُلْشِي غَادي أَنْمُوتُو .... أَلدّايَمْ اللّه ....... !!!
وهو يشير بسبابته ... إلى المقبرة المقابلة لمسكنه ....
رُزق " بَنْشاقورْ " ، ابنا ، وهو السادس بعد أربع بنات وابن ...
لايفصل بين ميلاد الواحد والآخر، سوى بضعة شهور ، فهو حريص على الإنجاب ، وقد فرح كثيرا لوليده ــ رغم قلة ذات اليد ــ وهو الذي يردد دائما :
ــ كُلْ واحَدْ ... إيجِيبْ أمْعـاهْ رَزْقُـو.....
اقترب موعد العقيقة ، و " بنْشاقُورْ " ، لايملك شيئا في منزله ، لم يضطرب لذلك ، ولم يتهيب الموعد ، فيوم ولد الصبي ... جاءه رزقه من بعض الجارات ، شيء من الزيت والسكر و " حفـْنات برْكوكشْ " ...
خرج " بنْشاقُورْ " من منزله ظهرا ، واتجه نحو الجبل ، يريد دعوة بعض أهله وذويه ، كما أخبر زوجته ، خصوصا وأن الغد ، هو موعد العقيقة ...
عاد مع منتصف الليل ، يحمل " عنْزة " على كتفيه ... أنزلها وهو يلهث من شدة التعب ، وقال قبل أن يُسأل :
ــ أَشْـريتْها عْـلى عَمِّـي ...
ــ فَكّـعَتْني مْعَ الطْـريقْ .. أَتْــقِــيلَة ... ؟؟ !!
فرح الجميع " بالعنْزة " لأنها عين ومحور المناسبة ، بها يأخذ الوليد اسمه ، لأن الناس كانوا يخشون دائما ، أن يـُنعت أبناؤهم ب " الْهاملْ " أو " الْهامْلَة "، لأن الأب عجز عن توفير الذبيحة ، وقد يفسر الاسم عند البعض بغير ذلك ...
شمّر " بنْشاقُور " عن ساعديه ــ ربما لأول مرة في حياته ــ فذبح " العنزة " ، مع منتصف الليل ، سلخها بطريقة رديئة .. رمى بالرأس ، والأكرع إلى زوجته ، وأختها ، قائلا :
ــ هَاكـُو ... شَوْطُــو أُوكـُلو ...
ــ شَبّْــعو لُولادْ ...
قطـّع " العنـْزة " إربا إربا ، ورماها في إناء ، وقام إلى الجلد والأحشاء ، فطمرهم في حفرة وراء المنزل .. ثم عاد ....
ابتهجت النسوة في الصباح ، وبدأن في تهييء الطعام ، والقيام بواجب المناسبة وهن يهنئن ، ويباركن لأم الوليد ، ويثنين على زوجها الذي وفر " عنْزة " العقيقة ...
في هذه اللحظة ، داهم المنزل " ولـْـدْ الجَّـحْمومْ " رفقة اثنين من أبنائه ، وهو يصرخ :
ــ فينْ راهْ " بنْشاقورْ " .... فِينْ راهْ ......؟؟؟
اشتد صراخه ، وهو يهدد ، ويتوعد .... يرغي ... ويزبد ....
تسلل " بنْشاقـُورْ " من الممر الخلفي للدار، وانحدر يمينا إلى المقبرة ، ومنها انطلق راكضا إلى العين ...
ليتوارى بعد ذلك عن الأنظار ..
... لقد سرق العنزة ...

* المصدر : عبدالحق مهداوي - فضاء بني يزناسن :


art. n° 1292











للإتصال بنا
إتصل ب akae
باريس ~ فرنسا
ici.ahfir@gmail.com
© 2020 - akae.ahfir.eu