اَلتَّوَسُّلُ بِالسُّلْطَة: خَطَأٌ تَفْكِيرِيٌّ شائِع، فَاجْتَنِبُوه
مقالات
30 04 2020 - 15:36
258 قراءة



المغالطات المنطقية (2)

تناولت في مقال سابق (تجدون الرابط أسفله) موضوع المغالطات المنطقية. اقتصرت فيه على التعريف بمغالطة "الشخصنة" باعتبارها أكثر شيوعا واستعمالا في نقاشاتنا وحواراتنا. أما اليوم فآثرت الحديث عن مغالطة أخرى لا تقل عنها رواجا وانتشارا بشكل مُلفت للانتباه.

وقبل ذلك لا بد من التذكير، ولو باختصار شديد، أن المغالطات المنطقية هي خطـأ تفكـيري. لا تعوق النقاش المثمر البناء فقط، بل تُفرْمله وتضع له حدّا عِوض أن تُغنيه. هي ليست خطأ في الحجة أو الفكرة التي نُقدّمها في حد ذاتها بقدر ما هي في طريــقة تقديــمها.

ولو قمنا عَرَضا برصد المغالطات المنطقية لوجدنا التوسل بالسلطة من بين الأصناف الأكثر شيوعا. و التي ارتفع منسوب استعمالها في زمن الحجر الصحي.
لذا ارتأيت أن أساهم بهذا المقال المتواضع في إثارة الموضوع بُغية الوعي ببعض المغالطات المنطقية المستعملة في النقاش، ولو بشكل محدود، والكشف عنها في أفق تجاوزها ولو نسبيا. أليست المعرفة تتم عن طريق التجاوز؟

فما المقصود بالتوسل بالسلطة؟
التوسل بالسلطة، حجة السلطة، الاحتكام لسلطة أو التوسل بالمرجعية. تتعدد وتختلف المسميات والمغالطة واحدة. هي اعتبار السلطة سواء كانت سياسية، دينية، علمية … أو سلطة رابعة أو حتى خامسة دليـلا على صحة وصواب الفكرة وبرهانا عليها. فكثيرا ما تُسيطر السلطة -قد تكون مُتسلِّطة أحيانا- وتطغى على استخدام العقل فنقبل أو نتقبّل الفكرة بل نقتنع بها هكذا تلقائيا وبشكل عفوي ما دام أن صاحبها أو قائلها عالم معروف أو شخصية مشهورة في مجال العلوم أو الآداب أو الفنون أو مرجعية دينية … فَ " ثقافتنا تعبد النصوص، يكفي أن نقول: قال فلان …ليتوقف العقل! " *
بهذه الكيفية نُعطِّل للأسف عقلنا أو نلغيه وبالتالي نلغي أنفسنا، ونستلذ الكسل (وهو فعلا لذيذ) وبالتالي ننساق لاشعوريا أو طوعا نحو تصديق المغالطة، وهذا في نظر البعض ناتج عن الشعور بالنقص أو الدونية تجاه الآخر المتقدم والمتفوق علينا معرفيا أو دينيا أو رياضيا…

وحتى لا نسقط في التنظير لا مناص من سرد بعض الأمثلة الملموسة من واقعنا المعيش ليتضح المفهوم أكثر.

مثال1:
شخص ما يحاول أن يقنعنا بصحة خبر ما فقط لأن مصدره قناة مشهورة فيقول:
- راهم كَـالوها أصاحبي فَ الجزيرة مالك (أو فَ فرانس 24 أو س.ن.ن…) دون الأخذ بعين الاعتبار ان القناة قد تكون منحازة أو متحيزة. فليس هناك موضوعية مطلقة.

مثال 2:
أ: الپروپوليس...، يعالج كوفيد19
ب: هل أنت متأكد مما تقول؟
أ: نعم متأكد 100%
ب: شكون قالها لك؟ ما تبقاش غي تهدر
أ: واش أنت قْراينك قاري بحال الدكتور س.؟ واش عندك الشواهد اللي عندو؟
. حتى توصل النّيڨو ديالو عاد هدر

مثال3 :
أ: أنا أستعمل شنبوان "كلير" لأنه يزيل القشرة
ب: هل أنت متأكد فعلا من ذلك؟
أ: طبعا! لو لم يكن كذلك لما استعمله رولاندو (يقصد نجم ريال مدريد سابقا وجفونتوس حاليا) رأيته في الاشهار.

وهناك أمثلة كثيرة أو وضعيات أخرى لا بد سبق لكم أن واجهتموها،توضح كيف تغدو سلطة الإعلام أو سلطة الشخص وشهرته أو نجوميته مقياسا ومعيارا واحدا
ووحيدا لضمان مصداقية "الرأي".

ألا ترون معي أن هذا من بين الأسباب التي جعلت البعض منّا ينسب اقتباسات وأقوالا الى أشخاص مشهورين عن قصد أو دونه بُغية إضفاء نوع من المشروعية لآرائه وتأكيدها وتمريرها وتسويقها. وقد نصدقها نحن ونتقبلها دون أن نتبيَّن او نتحقق من مدى صحتها لا لشيء سوى أن قائلها عالم معروف كأنشتاين مثلا، وكأن هذا الأخير معصوم ومنزه من الخطأ لا يأتيه الباطل ولو في أمور لا تدخل في مجال تخصصه العلمي. كما انتشرت كالفِطر في الفايسبوك اقتباسات تنسب تَطاوُلا لمحمود درويش أو نزار قباني أو غيرهما للغرض نفسه تقريبا: تسويق فكرة ما أو تمريرها.

وفي نفس السياق، ألا يكون هذا سببا من بين الأسباب التي تقف وراء وضع الأحاديث أو نحلها ونسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كحجة (سلطة دينية) واستغلالها في الصراع السياسي وتوظيفها إيديولوجيا خصوصا في العصر الأموي والعباسي لتستمد الطبقة الحاكمة مشروعيتها حينا وتبرر الاستبداد أحيانا. ولا زال الى يومنا هذا من يستغل أو يتوسل الدين بشكل نفعي للوصول الى أهداف سياسية... !

وهكذا يمكن أن نجزم أن الاحتكام أو التوسل بالسلطة بجميع تجلياتها ليس دالّا في حد ذاته على الحقيقة أو كافيا لوحده لإثبات صحة ما نقول. بل على العكس من ذلك قد يكون مُضلِّلا ومُموِّها في بعض الحالات.

جدير بالتنويه أن التوسل بالسلطة غالبا ما يعتبر مغالطة عندما يتم اقحام شخصية ما والزج بها ولو في غير تخصصها كحجة للدفاع عن فكرة ما.
حميد وشاني

رابط المقال حول الشخصنة
*تنسب هذه المقولة لنصر حامد ابو زيد
- للتوسع أكثر يرجى مراجعة عادل مصطفى،" المغالطات المنطقية: طبيعتنا الثانية وخبزنا اليومي" فصول في المنطق غير الصوري، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، مصر، 2007، ط1.


art. n° 1432



ادريس هبري-45
30.04.2020 - 06:04
تماما السي عبد الحميد قد أصبت وهذه الثقافة سائدة بالخصوص في المجتمعات التي تغيب فيها التربية على النقد فالمدرسة مثلا في خطابها الرسمي تروم من بين ما تروم "إنتاج "متعلم يمتاز بالحس النقدي ولكن في الواقع هو لا يفكر أصلا حتى يتسنى له الانتقاد بل مجموع تعلماته تدور حول الحفظ لأجل نقطة الاختبار ليس إلا ثم بعد المدرسة تأتي المؤسسة الاسرية( التي تم هدمها بالكامل) والتي كان بإمكانها ان تلعب كذلك دور المربية على ثقافة النقد والانتقاد ولكن بالنظرلوعيها المتواضع و لتقليص أدوارها لم تعد إمكانية النقد والتجاوز قائمة لدى المتعلم ثم بعد ذلك لدى أفراد المجتمع.لا تنسى كذلك السي عبد الحميد ان الليبرالية الجديدة كرست كل جهودها لتكريس ثقافة التفاهة والسطحية وهذه الجهود يبدو أنها قد أعطت أكلها على الاقل في العوالم العربية وبالتالي لا وجود اطلاقا لمستقبل أي خطاب كان للتساؤل وممارسة السؤال. للاشارةهذا موضوع للنقاش غاية في الاهمية اما الكتاب الذي اشرت اليه لعادل مصطفى في المغالطات المنطقية فهو زمردة كانت لي فرصة الاطلاع عليه منذ سنة وهو قابل للتحميل .مشكور السي عبد الحميد وكل لحظة وانت منتقد لمختلف شؤون الحياة
coment. n° 164

Karika-36
30.04.2020 - 13:04
تبارك الله عليك .دمت متألقا أ ستاذي الفاضل
coment. n° 168









للإتصال بنا
إتصل ب حميد وشاني
وشانن - أحفير - لمريس
hamid@ahfir.eu

© 2020 - jossour.ahfir.eu