من يوميات مُدرس
نصوص
11 07 2020 - 18:56
387 قراءة



في إحدى القرى النائية القصية، المنسية، تقع مدرستي.
تم ربطها مؤخرا بالكهرباء بفضل جمعية غير حكومية، بعدما عانت من ديجور الظلام إِثْر خُفوت نور المصباح الذي لم يعد يضيء حتى على نفسه. أقسامها تبدو وكأنها تنتمي إلى العهد الجوراسي.
الساعة الثانية بعد الزوال. النهار قيظ. شمس أواخر شهر ماي الحارة صهدتنا. يرن الجرس. مزعج صوته. إنه أشبه بصوت إنذار سيارة الإسعاف وصفيرها. سمعت، والعهدة عَليَّ وعلى الراوي الزواوي، أن للجرس في اليابان رنة موسيقية عذبة. يُحفز المتعلمين على الإقبال على الدراسة بانشراح كبير. الامر عندنا هنا مختلف. يُشعرك كأنك ستُقدم على شيء رهيب.
*****
داخل حجرة من البناء المفكك، الذي استنفذ مدة صلاحيته منذ زمن بعيد، وأمام سبورة باهتة متهالكة يجلس المتعلمون. يجلسون على مقاعد حفّرتها عوامل التعرية و نحتت عليها أقلام الصغار و بِرْكاراتهم نقوشا وحروفا ورموزا.. لا يفكها إلا الراسخون في الفقر والتهميش. في الجانب المقابل إدارة من البناء المفكك وسكن وظيفي من البناء المفكك. كل شيء هنا مفكك ومهترئ.
*****
البناء المفكك لا يقي من شر حرارة الصيف بل يزيدها التهابا. وفي فصل الشتاء لا يحمي الأطفال الصغار من القر. ترتعش أجسامهم النحيلة من شدة البرد فلا تقوى الأيادي على الكتابة إلا بعد النفخ فيها عن طريق الفم وحكها ببعضها البعض.
*****
التلاميذ منشغلون بفك رموز نص قرائي يحكي عن أمجاد العرب وبطولاتهم وهم الذين لم يعايشوا سوى الخيبات خيبات في السياسة، خيبات في الرياضة ومراتب متدنية في التعليم… وخيبات أخرى حتما ستأتي إذا استمرت حالتنا هاته. أتساءل مع نفسي فيما يفيد التمجيــــــد وهم شبه عاجزين عن تأمين رغيف الخبز وكسوة العيـــــــد.
يبدو عليهم الإرهاق والتعب من كثرة الساعات الطويلة التي يقضونها في المدرسة. بدأ النوم يداعب أجفانهم. صوت ذبابة يعلو. صمت مطبق. لا صوت يعلو فوق صوت الذبابة. يذكرني هذا الطنين ان فصل الصيف على الأبواب، كما يوحي لي بأشياء كثيرة في هذا الخلاء...
*****
أقف عند الباب. أرى رجلا كهلا يفرغ مثانته خلف الحائط. حائط المدرسة قصير يمكن القفز فوقه.
أعود إلى القسم.
– اسّي نقرا ، اسّي نقرا.. اسّي أنا ، اسّي أنا..
إنهم يتهافتون على القراءة كما تتهافت بعض الأحزاب على السلطة. لكنهم يختلفون عنهم. غاية المتعلمين وهاجسهم الوحيد هو إبراز قدراتهم القرائية والتي يتفوقون فيها على بعض النواب المحترمين. أجد صيغة. التنــــــــاوب!
يتناوب التلاميذ على القراءة كما تتناوب الأحزاب السياسية على الحكم. إنه زمن التناوب. ألم يصرخ يوما أحد الزعماء السياسيين آآمولا نــــوبة!
أرقب عقارب الساعة. إنها تمشي ببطء شديد. متى يأتي وقت الخروج لأتخلص من هذا الجو الخانق. أصبحت مثل "أسعد" في رواية رجال في الشمس عندما ترك الشمس المتوهجة أن تشويه بلا مقاومة ...
حميد وشاني


art. n° 1655











للإتصال بنا
إتصل ب حميد وشاني
وشانن - أحفير - لمريس
hamid@ahfir.eu

© 2020 - jossour.ahfir.eu