مَتـاهات ذي الجْلالة
نصوص
26 07 2021 - 11:43
143 قراءة




" أيها الوطن ارفع سقفك كي أستطيع تحته أن أرفع رأسي"
أدونيس
—————-
مَتاهات ذي الجْلالة - نص-
في السنوات الأخيرة وهَنني الكِبر. بلغت من العمر نصف قرن بل يزيد عن ذلك ، إذا توخينا الدقة ، ببعض خيبات و بضع انكسارات .فلم أجد بُدّا من ترميم ذاتي المتهالكة لإصلاح ما يمكن إصلاحه مما أفسده الدهر .وعلى الرغم من أن الترميم عملية مكلفة ومعقدة خصوصا بالنسبة لموظف انهكته الديون و الضرائب ، فإنها ضرورية لمن أراد البقاء على قيد العيش بعد ان استنفدت منه الوظيفة كثيرا من الجهد حدّ الاهتــــــــلاك Amortissement. قلت في أعماقي إنهم يستنزفوننا وبعد ذلك يُلقون بنا مثل قطعة غيار أو آلة صدئة في " لافيراي" بعد استنفاد صلاحيتها.
ولأن الأمراض غالبا ما تأتي تباعا،اكتشفت بعد أن رمَّمت أسناني أن الرؤية لم تعد عندي واضحة كما كانت من ذي قبل. أصبحت أجد صعوبة ومشقة في التمييز بين الرموز والألوان والأشكال ودلالاتها بعد أن غزت عيني عتمة. الصناديق عندي أسواء : الزجاجية الشفافة كالخشبية الصماء. يصعب علي كذلك إيجاد الفارق بين مصباح و تمساح، بين من يركب حصانا أو من يسوق جرارا، بين حمامة أو سنبلة ...
أصابني غبش ولم أعد قادرا على التمييز بين من تحرّش أو تحرشت به الانتخابات الجماعية أو البرلمانية فأيقظت شهوته في السلطة والمال ،وبين من تخلى عن قناعته المستعارة عند أول مساومة دنيئة.
لهذه الأسباب وغيرها من الأعراض قررت عن سبق إصرار ودون ترصد زيارة طبيب العيون أملا في إزالة هذه الغشاوة حتى أتَبيّن أمر هذا الالتباس قبل أن يستفحل بي الأمر.
*****
في العيادة فحصني الطبيب ونصحني أو على الأصح طالبني بإجراء عملية جراحية لإزالة الجْلالة إن أنا أردت أن أستعيد بُعد النظر و حدد لي موعدا لذلك.
في اليوم الموعود، كنت في غرفة العمليات أنتظر دوري. كانت الدقائق تمر في إِبْطاء شديد مثل دقائق رمضان ذات صيف قائظ. وفي الوقت الذي بدأت الشكوك تساورني في أنهم ربما قد نسوني في هذه الغرفة، جاءت ممرضة تحمل دواءً.
شكلها لا يوحي بالبشاشة،هذا ما بدا لي. صارمة ،لم تكن لطيفة الكلام. فهي لا تشبه بتاتا تلك الممرضة* التي تصفها كتب القراءة المدرسية المخصصة للسنوات الأولى من التعليم الابتدائي. ربما ضغوطات العمل. هكذا خمّنت.
أمرتني بفتح عيني اليسرى ثم قطرت فيها سائلا ، وبعدها ناولتني حبة دواء ونصف كأس ماء ولما سألتها عن المنفعة من هذا الدواء أجابت بتأفف : " اشرب واسكت "
ابتلعت حبة الدواء مع الإهانة بمرارة على مضض .وقلت في خاطري لماذا نحن دائما مطالبون بالسكوت. في المدرسة لقّنونا أن الصمت حكمة . في الإدارات يعتبرونه تكعريرا زائدا. وفي الشارع يطالبوننا بترخيص لكي يسمحوا لنا بإحداث بعض الضجيج . فماذا لو أسَّسنا حزبا للصامتين؟ ألسنا أغلبية ساكتة؟ أليست لنا القدرة على أن نجعل هذا الصمت مُدويّا؟ ألا نَجْرُؤُ على ذلك؟
*****
بعد لحطة وضعوني في سرير متحرك واقتادوني إلى غرفة مجاورة.وضعوا على رأسي غطاء به فتحة تُظهرالعين فقط. انتابني شيء يشبه الخوف. خوف غامض. أحسست ببعض الألم كوخز الإبر .طمأنني الطبيب بأنهم على شفا الانتهاء من العملية. وبعد حين سمعت أحدهم يقول لي: " على سلامتك "

قدم لي الطبيب عدة إرشادات و نصحني بألا أطأطأ رأسي ولو في الصلاة حتى تستقر العدسة في مكانها . وعدته بأني سأحاول رغم أني أعرف أن الرأس المرفوع في وطني يكسروه بفتحة في حال الجر لأنه ممنوع من الصرف.
*****
اتبعت تعليمات الطبيب. وبعد مرور عدة أيام تماثلت للشفاء. أزلت الغطاء الواقي للعين فخرجت أمشي غير مُطأطئ الرأس. مررت قرب البرمان حيث يستكمل بعض النواب نومهم داخله ،وأمام البناية اتضحت الرؤية وانكشفت الصورةهذه المرة واضحة دون ضبابية أو التباس.رأيت بأم عَيْنَيَّ: رجالا غِلاظا شِدادا. و رأيت رجلا أمينا اسمه أحمد يُسحل . جرّوه من بين الصفوف.وعلى الرصيف وضعوه. كانوا يحاولون أن يُعلِّموه الانحناء.
قلت في نفسي إنها عتمة الديموقراطية في نسختها التجربية (beta 2 ,1) ثم تذكرت نصيحة الطبيب و مَشيت. مشيت مع المحتجين. وجدت ذاتي رغم متـــاهـات و طـــــــــول الطريق. ..
ح.وشاني
********
*الجلالة: La cataracte مرض يصيب عدسة العين ويفقدها شفافيتها مما يسبب ضعفاً في البصر.
*تكعرير: كلمة عامية تعني "كلام فارغ لا فائدة منه"
* الممرضة : نص كان مقررا في مادة المحفوظات يقول مطلعه:
رأيتها نظيفة - نشيطة خفيفة
فؤادها رحيم - وعطفها عظيم
لطيفة الكلام - تعمل في نظام


art. n° 1911



-19
28.07.2021 - 00:07
نص جميل قرأته وطأطأت رأسي وانصرفت إلى قراءةنصوص أخرى حتى لا أسحل.
coment. n° 302









للإتصال بنا
إتصل ب حميد وشاني
وشانن - أحفير - لمريس
hamid@ahfir.eu

© 2021 - jossour.ahfir.eu