يوميات مدرس 7
نصوص
22 08 2019 - 17:54
32 قراءة


من يوميات مدرس "فاشل" (7)

"من رضع ثدي الذل دهراً .. رأى في الحرية خراباً و شراً" محموددرويش.

الساعة العاشرة.وقت الاستراحة.التلاميذ يتدافعون نحو الساحة.يتسابقون نحو صنابير المياه ليَرْووا عطشهم.والبعض الآخر يتجه مسرعانحو المراحيض حتى يتمكن من حجز مكان له.ولأن عدد المراحيض قلبل جدا إذا قارناه مع عدد التلاميذ فلكم أن تتصوروا الحالة التي ستصبح عليهاهذه المراحيض. رائحة البول حين تمتزج بمسحوق لزج.إنه خلطة تفوح منها روائح كريهة تزكم الأنوف ،كما تغري جمبع الحشرات وتساعد على انتشار الأوبئة والامراض.إنه مثال حي على تبجح مسؤولينا بالاهتمام بالطفل وحقه في بيئة نظيفة و حياة صحية سلبمة.

يتحرر التلاميذ نوعا ما من الرقابة أثناء الاستراحة. يقفزون...يجرون...يتدافعون...يتعاركون.... يلعبون.إنهم يصرفون قائض قوتهم الحركية.

يرن الجرس إيذانا بانتهاء وقت الاستراحة. يشعر التلاميذ وكأن حريتهم قد سُلِبت منهم.

يخرج المدير متسيطرا ، عيناه عمشاوتين.يأمر التلاميذ بتسوية الصفوف.في اعتقاده أن النظام لا يتم إلا بتسوية الصفوف.أو أن تسوية الصفوف من تمام النظام.ويجاريه بعض الأساتذة في ذلك.إما اقتناعا أو خضوعا. يحمل بين يديه تيو"tuyau" .والتيو لمن لا يعرفه هو أنبوب بلاستيكي مُعِدّ أصلا لتصريف المياه أو خطوط الكهرباء، وفيه مآرب أخرى.وهكذا تفتقت عبقرية البعض وجعلت منه وسيلة لإرهاب وتخويف أطفال لا قوة لهم ولا حول. إنهم بذلك يقلدون شكلا من أشكال السلطة العربيةبشكل كاريكاتوري أحيانا وبشكل تراجيدي أحياناأخرى.فالويل لمن ضُبط متلبسا.

يأتي المدير حاملا غصن شجرة كإثبات على جرم اقترفه أحد التلامبذ كان يحاول أن يقطف ثمار شجرة لوز.تهمته الاعتداء وإتلاف الممتلكات العمومية مع سبق الإصرار والترصد.

في المدرسة كما في الحياة العامة التهمة جاهزة "الإخلال بالنظام العام."

قلت له محاولا الدفاع عن التلميذ:أغوته ثمار اللوز. حتى سيدنا آدم عليه السلام أكل من الشجرة المنهي عنها.فما بالنا بطفل صغير لم يستطع مقاومة رغبته في تذوق لوزة.
لم يعجبه كلامي كما توقعت .بدا ذلك من ملامح وجهه وطريقته في الكلام.
أضاف بأن التلاميذ شياطين...لايخافون ...نزقون...ولا بد من تأديبهم.
حاولت أن أقنعه بأن دور المؤسسة الأساسي تربوي وليس زجريا.يجب أن نحاول تجربة أساليب أخرى ونفكر بطريقة أخرى تبحث في عمق الأشياء.
لكنه صاح متبرما:لقد أتلف الثمار و... البيئة... يجب أن يتعلم احترام النظام الداخلي للمؤسسة ... ان يكون عبرة لمن لا يعتبر...

أدركت حينذاك أن علاقته بالبيئة علاقة نفعية .كعلاقة بعض الأحزاب المغربية بالفئات الشعبيةالفقيرة.كل مايهمهم هو ما سيجنونه من أرباح أو ثمار.هو يدافع عن الشجرة طمعا في ثمارها. وهم يدغدغون مشاعر الناس البسطاء وبوهمونه بانهم يدافعون عن مصالحهم وغايتهم الوصول إلى كراسي وثيرة تنسيهم هموم الوطن و الشعب. وجهان لعملة واحدة.

إنهم يسيئون إلى السياسة والتربية بمفوميهما النبيلين.

عادت بي الذاكرة إلى أيام الصبا. تذكرت ما كان بثيره فينا العقاب من خوف ورعب لشد ما كرهنا معلمينا بسببه...من منا لم بكتو بناره .

ما يُقْلقني انه مازال من يرى في العنف أسلوبا للتربية والتحفيز والانضباط في الاسرة والمدرسة والحياة.كمالاتزال السلطة تتخده وسيلة للتخويف تحت مبررالحفاظ على"النظام".فما قيمةالعلاقة سواء كانت تربوية ،اجتماعية أو سياسية إذا كان احد طرفيها خائفا.

التفت جهة اليمين. لم أجد المدير. ربما يكون قد انصرف إلى حال سبيله-إدراته- حانقا.
أشرت إلى التلميذ أن يجلس مكانه.نظر إليا مُمْتنا لأني خلصته من شر العقاب.

بحضرني قول الشاعر أمل دنقل ،رغم اختلاف الزمان والمكان حين قال:
اعطني القدرة حتى أبتسم
عندما ينغرس الخنجر في صدر المرح
و يدب الموت كالقنفد في ظل الجدار
حاملا مبخرة الرعب لأحداق الصغار....

* (المصدر : )


art. n° 405











للإتصال بنا
إتصل ب حميد وشاني
وشانن - أحفير - لمريس
hamid@ahfir.eu
© 2019 - yawmiate.ahfir.eu