طالين مدينة صغيرة هادئة
سفريات
24 08 2019 - 17:45
86 قراءة


وقف الطاكسي بدقة عند موقفنا. كان يوسف قد طلبه بواسطة هاتفه المحمول. به تطبيق خاص يمكِّن الزبون من معرفة اسم السائق، ونوع السيارة، والشركة المستخدمة، والمسار الذي سيمر به للوصول إليه. أخبرني يوسف أن سائقنا عربي مصري أو أردني على الأرجح. خرج من السيارة محييا بالإنجليزية :"هاي !" رددنا" هاي !"فاتحا لنا موضع الحقائب بمؤخرة السيارة.
يبدو شابا أبيض السحنة ذا لحية خفيفة بمثابة شريط أسود من أسفل عارضيه إلى ذقنه، ليس بالباسم ولا المتجهم. حياد إحساس يبدو على وجه الغربيين عامة أو على من عاش طويلا بين ظهرانيهم..داخل السيارة، وقبل إقلاعها، حييته متعمدا، وكلي ظمأ إلى التواصل والمعرفة، بالسلام عليكم، مؤملا أن يكون سلامي فاتحة حوار بالعربية ولو قصير قصر المسافة بين المطار ومسكن أبني. ؟ لم أسمع رده. أجابني ابني الذي كان جالسا جنبه حين استفسرت متعجبا عن صمت السائق وعدم رده السلام رغم أصله العربي، بعيد دخولنا شقته:
- لقد رد السلام بمثله ولم تسمعه، شأنه شأن الإسطونيين عامة.. وسائقنا على الأرجح من مواليد البلد وترعرع وشب هنا، فتطبع بطبائعهم.. والصمت من طبائعهم المتأصلة فيهم. إنهم صموت ، فإذا تكلموا، لا يرفعون أصواتهم، وتستطيع أن تميز بين الأسطوني عن غيره بدرجة الصوت. فـ"الغير" المتكلم بصوت متوسط أو مرتفع، أو الثرثار في حواره في الأماكن العامة أو داخل الحافلة غالبا ما يكون غريبا عن البلد، وخصوصا الروسي. والروسي المتوسط حاضر في إسطونيا وفي عاصمتها طالين، مقيما ومواطنا متجنسا. نظرة دونية من الساكن المحلي للروس عموما. أهي نابعة من نزعة إقليمية؟ أم هي نظرة المستعمَر للمستعمِر المحتل؟لأن إسطونيا لم تنفك عن رقبة الاحتلال الروسي إلا في أواخر الثمانينات بعد تفكك الاتحاد السوفياتي.
أثناء غداء دافئ استضفنا فيه مغربيين صديقين ليوسف أحدهما متزوج بليتُونية - ليتونيا جارة لإستونيا – لاحظنا صمتها الغالب عليها، فعزونا ذلك أول الأمر إلى طبعها المهذب وحيائها، وعدم إمكان تواصلها معنا نحن القادمين من المغرب ونجهل اللغة الإسطونية ولا نعلم من الإنجليزية، لغة الحوار الغالبة في الجلسة إلا مفردات وعبارات متقطعة،إلى جانب الفرنسية.. المرأة كذلك مهذبة وذات أدب جم، وتجيد الإنجليزية. زوجها المغربي الذي يتكلم مثلنا بصوت عال،رغم عيشه طويلا بفرنسا قبل أن يقيم بإسطونيا، قال إنها مثل الناس هنا. وأضاف ضاحكا،" في أيامنا الأولى لزواجنا، كانت كلما سمعت المغاربة الذين يلتقون بنا ظنت أنهم يتخاصمون. انفجرنا ضاحكين !
طالين مدينة صغيرة هادئة، ومن أهدأ مدن العالم، لكنني لاحظت خلال تجوالنا بالمدينة الحديثة مظهرا وحيدا يخرق هذا السكون المهيمن على النفوس والفضاء. إنه صوت الدراجات النارية الكبيرة التي يولع بها الأسطونيون، ثم بعض سيارات "لوكس" التي يستعرض بها بعض الشباب في وسط المدينة نفوسهم إثباتا للذات. أصوات كطلقات البارود ترزم من حين لأخر في وسط طالين إسطونيا، ولا يلتفت إليها إلا الغرباء الوافدون حديثا إليها مثلي الذي كان يحرم نفسه حضور الأعراس في قريته أيام طفولته لأن طرطقة البارود التي كانت من مظاهر الفرح، كانت تفزعه وتؤرقه ! وظن أبي رحمه الله أنني طفل"عاقل"، لا يستخفني اللهو مثل بقية الصبيان.وقد كان "العقل" أو "التعقل" محمودا آنذاك من الصبيان !
سلاما من طالين الهادئة رغم هدير محرك "فيراري" أو "لامبرػيني" ورعد دراجة النار ا"الهارلي.." وغيرها !


art. n° 552











للإتصال بنا
إتصل ب عبد المالك المومني
القنيطرة
moumni@ahfir.eu
© 2019 - khadra.ahfir.eu