آخر يوم للهيمان بطالين
سفريات
01 09 2019 - 18:32
80 قراءة


بالإنجليزي ( حكي مضطرب اضطراب نفس الحاكي ذاك اليوم !)

الثلاثاء السابع والعشرون من غشت، آخر يوم بطالين-اسطونيا
أرد الهيمان أن يقوم بآخر جولة بالمدينة التي سيغادرها مغربا.
ضرب موعدا مع يوسف الذي بكر لعمله بالمدينة ساعةَ زاوال. لأول مرة سيذهب إليها وحيدا بالحافلة. زوده أهله بتعليمات عن موقفها في الانطلاق والوصول. يعرفون جيدا شروده الملازم له الذي يتفاقم في بعض المواقف !

أنتظرالحافلة رقم خمسة أو ثلاثة وستين الذاهبة رأسا إلى المكان المتفق عليه مع يوسف دون حاجة إلى تبديل. جاءت حافلة. بصر أعلى واجهتها المضيئة.بها غبش ضباب خفيف يغشى المدينة. ورأى رقما كأنه خمسة. ركبها. انطلقت في طريق مشجرة مستقيمة وملتوية.. وجاءت لحظة كان عليها أن تدور على مفترق، يسارا في الإتجاه المعاكس، ثم تتابع طريقها في مواقف عديدة إلى أن تبلغ منتهاها. لكنه لاحظ أن الحافلة لم تعرج يسارا، بل تابعت مسيرها مستقيمة، دون أن تدور لتأخذ طريقها كما اعتاد وأهله في سابق الآيام. ارتبك. أين ستؤدي به الحافلة، وفي أي حي سترمي به؟، وهو يستقلها لأول مرة وحده ! . كان جالسا فوقف. "إلهي ماذا سأفعل؟ ساتأخر عن يوسف ، سيقلق علي. هاتفي غير معبأ بالإنترنيت لأتصل به بالواتساﭖ ولم أزوده بشريحة الخارج، لأهاتفه وأخبره و بقية أهلي بما جرى ! يجب أن أتصرف سريعا، وإلا سيزداد ارتباكي. آه !"
إقترب من رجل كهل وخاطبه بما تبقى من الإنجليزية التي درسها في الثانوي منذ خمسة عقود !
- استسمحك سيدي. تتكلم الإنجليزية؟
- نعم !
هذه الحافلة رقم خمسة؟
- هذه رقم ستة.
نزل عند أول موقف تال. امراة واقفة به تنتظر لاشك حافلة أخرى. خاطبها بالعبارات المتقطعة نفسها التي خاطب بها الرجل.
- أستسمحك سيدتي، أين يمكن أن آركب الحافلة اتجاه...؟
أجابته بكل أريحية !
- رقمA1 ، ورقم ثمانية ورقم... اختلطت عليه الحروف والأرقام.
أخرج من محفظته الصغيرة كناشة يحملها لتسجيل ما يشاهده ويلاحظه في سياحته.
- - هل تتفضلين فتكتبين لي هذه الأرقام؟
- نعم. لديك قلم؟
آه.. اعتذر... اعتذر . نسيت.
-هو ذا. هوذا.. !
كتبت المطلوب منها، ودلته على موقف مقابل للحافلة مناسب لبلوغ مقصده !
وهو ينتظر، راوده الوسواس حول رقم ألف واحد؟ "لم أفهم.. كيف يكون رقم الخط حرفا ورقما في آن .. ثم إنني غير متأكد تماما من حقيقة الحرف الذي نطقته المرأة. الإنجليزية تنطق بلهجات مختلفة حسب الأفراد والبلدان.. وحرف ألف الفرنسي قد يكون A أو حرف E..."
توجه نحو شاب أنيق ينتظر الحافلة. سأله بتلك الإنجليزية الرديئة:
- من فضلك ، أهذا موقف الحافلات التي تتجه نحو المحطة كذا؟
- نعم.. وأنا سأنزل بها. أضاف
- شكراشكرا !
أخيرا هدأت نفسه القلقة، وسكنت حركته المضطربة. نزل حيث نزل الشاب ، وشكره ثانية على مساعدته.
"بقي أمر.. لابد أن ابني - حدث نفسه - قلق علي وقد تأخرت عنه، ولابد أنه قد اتصل بأمه وأخته بشقته، فهما الآن أشد قلقا !"
رن هاتفه؟
"الحمد لله ! إنه يوسف !
وجده في انتظاره. روى له ما حدث.
" أمر عادي.. قال مهدئا مما ظن من ارتباكي أو هلعي وتوجسي من الضلال في مدينة غربية بعيدة، أزورها لأول مرة.. جرى لي أنا أيضا مثل ما جرى لك أول عهدي بالمدينة...لقد تواصلتَ، فأفهمت وفهمت.. هذا هو الأهم !.. وزاد: حاليا !"

طالين مدينة صغيرة، آمنة، هادئة. واضحة المعالم، مفتوحة على العالم، تتحدث الإسطونية، فالروسية، ثم الفنلندية رسميا وشعبيا. لكن الإنجليزية مستعملة في الحديث وفي الإعلانات التجارية والسياحية والاقتصاد والتكنولوجيا الحديثة. ثم ترطن بكل لغات العالم. في الطائرة التي ركبناها من طالين مساء ذلك اليوم إلى جيرون بإسبانيا كانت ممتلئة حتى آخر مقعد، كنا ثلاثة من أسرتي، و أمريكيان أو انجليزيان، وآسيويون قلائل. والباقي إسݒان. وكلهم مروا سياحا بإسطونيا. آليت على نفسي أن أحسن من أنجليزيتي مستقبلا. هي الواصلة بالعالم هذا الزمان. فكرت في نخبة الوطن الذين ما زالوا، يتعاركون متنابزين بالألقاب، على لغة المدرسة الثانية والثالثة والأولى أيضا !، بينما أجيال من بنيهم ضاعوا في جلبة العراك والخصام !

"طاف بي يوسف البر الصَدِيق في دروب من المدينة القديمة لم أطرقها من قبل، وشاهدت نوادر من أشياء طريفة لم أشاهدها من قبل، وكانت نهايةَ المطاف ومسكَ الختام، كاسُ قهوة بالكاراميل له، وكاس قهوة كاݒوتشينو لي، متوجتين بقلب له مشفق، وغصن له مورق، مشكَّلين من حَباب القهوة الطافي، في جلسة، بمقهى صغير كل ما فيه وحوله بلدي تقليدي أصيل وجميل، بساحة صغيرة تشبه ساحات مدننا القديمة، إلا أن على كل طاولة في المقهى، وفي أركان من سطيحتها مزهريات بزهور طبيعية بهيجة الألوان. باح القلب والفرع بما يجدان.. ابتلت العين خلالها وصوتي اختنق، أسفا لفراق الولد النازح رغما، بعد سويعات من الآن.. "


art. n° 667











للإتصال بنا
إتصل ب عبد المالك المومني
القنيطرة
moumni@ahfir.eu
© 2019 - khadra.ahfir.eu