خواطر باريسية ـ الهجرة الثانية ـ
ARCHIVES
09 09 2019 - 21:58
540 lectures



مر وقت صلاة العصر بقليل، نزلت مع صديقي وزميلي في العمل إلى الطابق السفلي لأداء هذه الفريضة العظيمة، لعل الله يريحنا بها مما تراكمت علينا من ضغوطات وأعباء العمل اليومي. دخلنا الغرفة الصغيرة التي وضعت فيها خزانات تنتمي لأصحابها، يضعون ويحفظون فيها بعض حوائجهم المختلفة. إتجهنا في سرية تامة نحو الزاوية (التي لا تزيد عن مترين مربع) المخصصة للصلاة بشكل غير مفصوح عنه. تابعنا مشينا على الأظافر كالأسد وهو يترصد فريسته قبل الإنقضاض عليها، تواجدنا في الزاوية المسجد، نحن خمسة نفر كانوا قد ضربوا موعدا مع من يملك السموات والأرض وما فيهن ومن فيهن للقاءه في مكان لا يتسع حتى لضيوفه، ضيوف الرحمان.

كانت أجواء إيمانية خاصة، أدركت حينها وكأننا في صدر الإسلام، بل قبل أن يؤذن للرسول صلى الله عليه وسلم بالجهر برسالته. كان (ص) وأصحابه يتعبدون في السر ويعقدون لقاءاتهم في السر مخافة أن يُفضح أمرهم ويدركهم العدو، فيفتنون في دينهم وفي دعوتهم. قلت في نفسي: لعمري إننا لنحن مسلموا ذلك الزمان في هذا المكان بالذات. ألم يبدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ؟ كنَّا نظن أن الغرابة تكمن وتتجسد في شخص إلتزم بأوامر الدين وانتهى بنواهيه، وبدا على الظاهر كذلك، إلاّ أنه اتضح أن الغرابة كانت الظاهرة فقط، أو على الأقل لا تمثل إلا جزيئا منه. ولم يكن الظاهر في يوم من الأيام معدودا من الغرائب، وإنما الغريب هو من كان غائبا عن الأعين أو كان مشكوكا فيه فظهر فجأة وظهرت معه طقوسه وأفكاره....

غرابة الإسلام في عهد الرسول (ص) وأتباعه القليلين كانت قبل الهجرة وغرابتنا نحن بعد الهجرة.

قد يقول قائل: شتان بين الهجرتين. أقول: نعم، هجرة الرسول (ص) كانت نتيجة اضطهاد قومه له. هاجر من أجل الحفاظ على دعوته ومن أجل نشر رسالته. هجرتنا نحن أيضا كانت نوعا من الإضطهاد، اضطهاد اقتصادي، واضطهاد سياسي بالنسبة للبعض منا. في آخر المطاف هجرنا حفاظا على إنسانيتنا المنقوصة، لأنها هي القاعدة التي يُبنى عليها كل شيء، بما في ذلك الدين نفسه وما يحمل من فضائل وقيم. نعم تبقى إنسانية الإنسان منقوصة ومبتورة في بلد مهترئ اقتصاديا، في بلد يُضطهد فيه سياسيا ويصادر في الرأي. وعندما يحصل الإنسان على نصيب من الإستقرار الإقتصادي،وشيء من حرية الإدلاء برأيه بكل أريحية لن يتجه نحو الكمال إذا لم تصطدم قناعاته بما يُزلزلها ويزعزعها.

بدأ عندنا نحن مسلمي الغرب اضطهاد ثان ومن نوع خاص.تناقض صارخ.ليس لك الحق في التعبير باسم حرية التعبير والحفاظ عليها. أصبحنا حسب معتقدهم نشكل خطرا على لُحْمتهم القائمة على الثقافةوصرنا السبب الذي يؤدي إلى إفساد مجرى تاريخهم وتغييرجذورهم ذوو الأصول اليهودية والنصرانية. صار المسلم عنوانا للغرابة بامتياز،ليس لأنه مسلم. فقد عهدوا وألفوا وجود المسلمين بين ظهرانيهم لمدة عقود طويلة، وإنما الغرابة تكمن في كون المسلم ظهر فجأة وخرج من مخبأه وبدأ يملأ الساحات العامة. هذا الظهور بدأ مُحْرجا وتطور إلى حرب إعلامية عشواء على المسلمين ولا يعلم إلى ما ستؤول إليه الأمور إلاّ الله.

أتينا إلى الغرب ووجدنا أقواما يختلفون عنا في أشياء كثيرة. اختلاف يجعلك تعيش صداما، لا أقول حضاريا وإنما قيّميا، فيبدأ الصراع وتبدأ المقارنة. من هنا أتفهم خوف البعض وأخذ الحذر منّا. وانطلاقا أيضا من هذا الإصطدام الذي أشبهه بالإنفجار العظيم الذي نتج عنه الكون بعظمته ودقته، فكذلك قد تتكون إنسانيتنا وتتجه نحو الكمال إذا ما وقع استغلال لكل لحظة من لحظات الإصطدامات نتيجة العيش في بيئة تختلف عن بيئتك التي ولدت وترعرعت فيها. بما في ذلك لحظة الصلاة تلك المؤداة في سرية وربما في جو من الخوف الذي قد يكون هو سبب تلك اللحظة الإيمانية الوجيزة التي نفتقدها ونحن في أوسع وأجمل المساجد المفروشة بأبهى الزرابي، والمُعدة بأكبر المكيفات حتى لا نُحس لا بكثرة البرد ولا بالحرارة المفرطة.أدركت أن فترة الخشوع التي يبحث عنها كل مُصَلِّ لا تأتي ضرورة حين تأديتها في جوف المساجد الفخمة ولا في الظروف المهيأة مسبقا. وإنما تأتي بالوعي الشبه تام بأننا نقبل على من يملك كل المكان في أي مكان.من هنا يأخذ قول الرسول (ص) "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" معنى واتجاها غير الذي ألفناه. يبدو لي أن الرسول (ص) يدعونا إلى التفكر في كيفية الإقبال على الله إذا أردنا تطهير أنفسنا (طهورا) ونكون من المقبولبن عنده في أي مكان تواجدنا فيه لأنه سبحانه لا يسعه مكان

محمد حراك
باريس 2015/03/05

المصدر : موقع أحفير.أوروبا الأسبق


art. n° 763











CONTACT
Contactez PENSÉE LIBRE
Seine Saint-Denis France
mherrag@ahfir.eu

© 2020 - libre.ahfir.eu