حكاية آخر يهودي بالبلدة
أدبيات
14 09 2019 - 08:35
583 قراءة



كنت حينها لم ابلغ السادسة من عمري لما دخلت قسم التحضيري سنة 1968/1967. كنا نقطن بحي ايلير واضطر اربع مرات في اليوم الى سلك شارع علال بن عبدالله كاملا وبعد العبور الحذر لشارع الحسن الثاني الج شارع تلمسان حتى نهايته لأجد نفسي في مواجهة الثكنة العسكرية المعروفة عندنا بأحفير بـ(الگازير) والتي كانت تأوي مؤقتا في غياب المدارس بعد الاستقلال اقساما على رؤوس الاصابع مبنية بالحجر ومسقوفة بالقرميد الاحمر... نتكدس بداخلها مثل علب السردين.أتأبط محفظة صفراء بئيسة كل ما تحوي تلاوة ودفترا ولوحة وريشة معدنية ودواة للحبر تنغمس فيها اناملنا الفتية اكثر مما تنغمس فيها اقلامنا. كما كنا ندس بين ادواتنا قطعة من الخبز محشوة بما جاد به المطبخ في ذلك اليوم نستخرجها وقت الاستراحة مطلية بالمداد والوان الطباشير.... كان المعلم السي محمد بندحو قاسيا جدا وصارما في تلقين الدروس التي تتخللها دوما وجبات من مختلف انواع الضرب الشديد. والغريب بسبب صغري سنا من الجميع كنت اتضامن في البكاء مع المضروب كلما جلد المعلم احدهم... مر الفصل الاول مثل العذاب وبدأت استعذب المدرسة بعد ذلك....

اتذكر جيدا رحلتي المكوكية على طول الشارعين الطويلين بخطى بطيئه وتأملي لاشياء بسيطة تبدو لي وقتها في غاية الاهمية... اتأمل حانوت عمي اليماني ثم امر على فران عمي البوحميدي وخبزه الشهي... امر بدكان عمي يحيى بنعبيد ثم دكان عمي ادريس زريوح حتى ابلغ منزل ذالك اليهودي الطيب طوطو (انظر الصورة) وزوجته فرتونه.. نناديه "عمي طوطو" ويجيبنا دوما "باباك اشرى لوطو" واحيانا يمدنا ببعض الحلويات ونواصل الطريق حتى دار عمي الغول وشاحنته الحمراء المركونة. ومن هناك نتحلق حول عربة عمي المحجوب واشهى ما كان يبيعه لنا (الشباكية)..

تشابهت الايام ولكن في احداها لدى عودتي الى المنزل وجدت حشدا من الناس بمختلف اعمارهم يرجمون دار اليهودي.. لم استسغ الامر ووجدته رهيبا ومرعبا... اكوام من الاحجار امام الباب والنوافذ مكسورة في غياب الرجل الهادئ وزوجته العجوز المسالمة... حالة من الهيجان لم أعهدها في عمري ذاك... لماذا يلقون بالحجر على عواهنه...؟ ما السر في ذلك...؟

علقت هاته الصورة في ذهني ولم تبرحه خصوصا وان اليهودي المسكين غادر البلدة بعد هذه الفعلة بفترة ليست بالطويلة... كنت دوما ابحث عن مبرر لذلك حتى بلغت رشدي واصبحت احلل الامور على قدر المنطق فادركت ان تلك السنة كانت هزيمة العرب النكراء امام دولة اسرائيل... اكان هؤلاء يعرفون بأن طوطو هو سبب نكستهم اجزم القول بلا. علمت من بعد ان هذا المسكين الذي خونوه والذي وسموه بالعمالة كان حبرا ربيا يهوديا يقوم بتدبير شؤون الدير الذي لازالت أطلاله قائمة الى الان بجانب مسجد السي بوعزة. علمت ان هذا المسكين لم يهاجر بعد مغادرته الى اسرائيل وانما الى فرنسا حيث مات وزوجته.

انها ذكريات من طفولتي اتمنى ان استحضر منها لوحات اخرى والسلام على الجميع.

* الصورة منقولة من أرشيف الأخ عبدالحكيم محروگ - المتحف الإيكولوجي، مشكورا.

- نشر النص في الموقع القديم بتاريخ 2017.05.08 :


art. n° 897











للإتصال بنا
إتصل ب بندادة
الحسيمة - إمزورن - أحفير
autocadbendada@gmail.com

© 2020 - خواطر