لما بكيت فقط لبكاء أمي...
أدبيات
14 09 2019 - 09:12
160 قراءة



قبل نصف قرن من الزمان
انا المفطوم توا، أتذكر كما البارحة لحظة امتطائي صهوتك تهرولين بعد الفجر مستدبرة البلدة نحو صقع مجهول. أتذكر كما البارحة نحيبك الخافت خفوت ذاك الغبش في ذاك الصباح المشؤوم.
ما استعذبت دفئ متنك الوثير أبدا مثل اليوم ، وما كادت جفوني تجْرؤ على الانطباق من فرط أرَقٍ متراكم حتى يُوخزُني قصف الرذاذ المتواتر صفعات على خدي المتورّم وقُذالي المحموم.

خِلْتُ البكاء والوجد لغة الرضع واليتامى ومُقَلَ الامهات منبع العنفوان والبأس كالمقل اليابسة لعرائسنا النشامى، خِلْتُ السَّغَبَ والظَّمأ صفة المحمولين على وَهَنٍ وأثْداء المرضعات أبد الدّهر مِدرارا.
لما تغادرين وأية وجهة ترومين، لمن تنتحبين ومن أجل مَن تُسرعين فانا بِكرُك الوحيدُ على من تخافين.

تحت شجرة عُرّيش يتيمة بين عُروش الجَرْجير المتشابكة والمكتنزة بَلَلا ،كُنَّ نفرا من الملتحفات بياضا ينشدن احتماء عابرا من قطرات تَنِزُّ صقيعا، منهن النّائِحَات ومنهن الواجمات، سحنات شاحبة زادهن الوشم الكثيف قتامة وعبوسا،وبين وابِل من القُبَلِ وشُحّ خاطف من الهمهمات لم تتبين لذاكرتي الفارغة من المألوفات لديّ سوى العجوز راكبة الأتَان.

على حَثيثِ خُطى النّعال المرقونة فوق صفحات الاديم الرطب،وحفيف تلابيب الحياك الملفوفة على اجسام مستعجلة،وخلف راحلة دليلتهم انطلقوا ككتيبة انشقت عن فُلُول جيش مندحر استدبر حقل الوغى درءا لبطش محتوم. يمخرون في صف منضبط عبر الشِّعابِ الضيقة، كثبانا من سيقان القمح المتلاطمة أمواجه على عُباب من الهضاب المنصهرة في الافق وسط أجواف من دخان فَوَرانِ الضَّباب و الغيوم.

خلال كل حلقة من مسلسل غياهب الصمت الحذر صرت أغفو برأسي المحشو داخل قَلَنْسُوَّة مهترئة،وأصحو بلا مبالاة من أحد على وَقْعِ وَصَلات من مواويل نواح العجوز المتناغمة بتنهُّدات عميقة تنبعث نَشَازا من خلف المسير. وصلات تواترت أقرأ قسمات الوجوه فيها بعيون يابسة تبكي وَجَدا، وبِسحنات شاحبة تتجعَّد كَمَدا، بينما أجد لهيب وجهي القاني تورمت وجنتاه المحمومتان ألما وانسابت العَبَرات من مقلتي انهارا مَدَدا...حتى إذ أدركنا وابِل من النَّوِّ المسْتعِرِ الممزوج بحصى البَرَدِ، دَلَفْنَا مرغمين أرضا جَرْداء تَحُفُّها بقايا أطلالُ رِبَاطٍ تناثرت لَبِناتُه كأوراق الخريف الحزين.

بينما أسرعت العجوز بعَقْلِِِ راحِلَتِها تحت شجرة فارعة تدَّلت من أغصان فروعها المفتولة في الهواء أطياف من جميع تلاوين الخِرقٍ البالية وشرائط الأسمال العفنة، اِنتصبت انا غير بعيد ثَمِلا من وَطْئ الحُمَى أتكِئ على راحة أمي تَرْبَتُ بها على رأسي، أقذف ما بمثانتي الممتلئة حَدَّ الُخْمَة، أراقب شَزْرا بضْع دُيوكٍ نافقة وسط أكوام من مختلف النفايات المُقْرِفة.

في جوف غرفة معتّمة-رغم أنف واضحة النهار ،امتزج فيها أزيزُ باب جانح بدون مِزْلاجٍ، بصَدى هَديل الحمام القابع بجيوب قُبَّة حَدْباء. وانصهرت فيها روائح دخان الشمع المتلألأ خجلا بين حَراشِفِ الجدران البَرْصاء، بنَتَانَة حصائر الدُّوم والحلْفاء-تقرفصت النسوة خاشعات حول تابوت يقبلن تلابيبه ويتوسلنه بهمسات مقصودة وهمهمات مريبة حتى خِلْتُ الرَّابضَ بين أهداب ستائره الباهتة مارِدٌ مُهابَ الجوانب...
قبيل الخفوت الكامل لأَوَارِ العاصفة الهوجاء، تسّملتِ الأتََانُ لوحدها زِمام قيادة القافلة ،ولمْ أعٍ عٍلّة تقهقر صاحبتها مترجلة ولم افهمْ سِرّ إحكام والدتي جسمي النحيل بين قَبْضَتَيْ سواعدها،إلا بعد شروعنا في اسْتِغْوَارِ سِرْدابٍ جارف بشَتاتِ الحَصى ورميم العظام، غُلِّفَت ردهاته بأشجار الصُّبَّار الضارية حتى تقوست لوَخْزِ إبِرِ ألواحِه كلُّ الهَامَات العابرة.

ما إِنِ انْكَشَفْنا على ضفة واد فسيح نَقشت السيول بماسورته الرّملية جداولا غمرتها المياه الموحلة حتى تَناهى لأسماعنا في الضفة الاخرى نُوّاحُ مجموعة من الملوّحات بأيديهٍن في السماء، فأقْلعَتِ العجوز من جديد محرك عَقيرتِها صياحا وعويلا وسط لهيب من نحيب المرافقات.

إلهي فسجمي الواهن تحمّل منذ انتشالي طريّا من فراشي الوَثير لسعات الرذاذ القارس على خدي الفتيّ ما بين قتامة غبشٍ و خناق حبلٍ شَدَّ قلنسوتي تحت ذقني.إلهي تحملت الالم الذي اِعْتَصَرَ مَثانَتي وكادَ أن يحطّم كبريائي وسط قشعريرة الحُمى التي اعترتْني، بل تحملت بشموخ ان لا أنحني لمارِدٍ رَبَضَ بين تلابيب ثابوت خشبي،إلهي فحتى خياشيمي تجلَّدت زفير نتانة نَسغِ الحصائر الممزوج بدخان الشمع الزئبقي. إلهي تحملت وصبرت وتجلدت لكن أبقى عاجزا عن تحمل نُواحِ أغلى إنسان عندي...

لكن هيهات وهيهات، ما بين الضفة والاخرى للوادي ما فتئ الصراخ يزداد حدّة ويتعالى كلما اقترب الجمْعان، وما هي الا لحظة كالبرق الخاطف،حتى اختلط الحابل بالنابل ولم تعُدْ تقوى دواخلي الهشَّة فهم المغْزى من العويل وسط غوغاء من اللَّطْم والعناق الطويل، حينها أسلمت امري لسطوة رُعبٍ، ثم صرختُ صرخة وداع كأني ساقط في اعماق الجحيم، فتكبدت على إثرها جُرحا غائرا نُقِشَ بين رفوف ذاكرتي بمداد قلم قُدَّ من قطعة ألم ،لا زال رَنِينُه يتردَّدُ الى الان بأدق التفاصيل...

بعد نصف قرن من الزمان..
أنا المفتون دوما بالارتماء بين أحضانها ,أبحث عن الجنة تحت اقدامها، أتملى وجهها الطفولي البريء، أعبئ كُنْهَ دواخلي من بَوْحِها العفوي الجميل، وأشحذ هِمَمي التوّاقة لدَعَواتِها من جنابها المهاب الجليل.

وأنا انتشي بإجازة بأحفير مسقط رأسي ، أجوب برفقتها بهاء مسالك أحْوازَ حقول اغبال ،مزهوا بها كزهو التلال الخصبة بخضرة الربيع المزركش بشقائق النعمان،تسهب لي في استنطاق المشاهد بذاكرة ثاقبة مدققة للاحذاث في الزمان وفي المكان.حتى وقفنا على الاطلال الجاثمة حوالي الولي الصالح سيدي احمد الوجدي ودَوْحَتَه الفارِعة ،سَلكْنا مَمرّا ضيقا نحو وادي المرجية بين هياكل الصبار المتربصة بروضته المنسية، أذودُ عنها وَخْزَ إبِرِ ألْواحِه الضَّارِية فإذا بذاكرتي على وَقْع تسارع نبضات قلبي، تستيقظ من سُبات قديم، فاغتنمتها فرصة أيقظت فينا ذكرى يوم أليم. فاستسلمنا لحكي حميمي وبوح طويل.

حكيت عن يوم تمّ فيه انتشالي عند الغَبَشِ طرِيّا من فراشي الوثير ، عن يوم تَوَرَّم خدي الفَتِيّ بلَسْعِ الرَّذاذ و أدْمى ذِقْني حبل شَدَّ أطراف قلنسوتي . عن يوم اعترتني الحمى ما بين الجيف ونتانة دخان الشمع والحصير.... بل عن يوم عَنَّ لي فيه ماردٌ تحت تابوت ورغم الخوف تحملت مصيري. حتى اذا رأيت الدمع منسابا من مقلتيك انهارت معنوياتي واستسلمت لأمواج الهلع تقوّضُ حِيَّلي، وتشُلُّ تفكيري.
فحَكَت عن يوم دقّ الناعي فجرا أبوابنا فأَخبَر برحيل أعزّ خالٍ لنا. لم يشْكُ من قبل عِلّة ولا سقما، حتى وجدوه في عز شبابه جسدا شَبَما. فكنّا ثَكْلا نبكي فراقه وَجَدا لكن وَجَدُ الجدّة العجوز كان اكثر وقْعا واشدّ ألما.

عبدالله بندادة العـــــــزاوي
امزورن في:2016/04/17

* اللوحة: صرخة طفل للفنان العالمي محمدالطرهوشي


- - نشر سابقا بالنسخة القديمة للموقع بتاريخ 2016.04.17 :


art. n° 900











للإتصال بنا
إتصل ب بندادة
الحسيمة - إمزورن - أحفير
autocadbendada@gmail.com

© 2020 - خواطر