يوميات مدرس- درس في الرياضيات-
نصوص
19 09 2019 - 21:31
136 قراءة


موضوع درس اليوم في الرياضيات هو «المكعب». كنت بصدد توضيح لتلاميذ القسم الثالث أن للمكعب عدة وجوه. ستة إذا أردنا التحديد. بعض الوجوه نراها وأخرى لا نراها. وتتحدد هذه الوجوه حسب موقعنا بالنسبة إليها. وكذلك هي مواقفنا ووجهات نظرنا تختلف حسب الزاوية التي ننظر منها للأشياء. وهكذا تأتي استنتاجاتنا أحيانا ناقصة نظرا إما لقصور أو ضيق الرؤية أو استحالة استكمالها.

كنت منهمكا مع التلاميذ في محاولة تقريب هذا المفهوم معتمدا في ذلك على كل الوسائل التعليمة المتاحة: مجسمات من خشب، موارد رقمية وذوات أشياء أتى بها التلاميذ: علب شاي فارغة وأخرى للدواء. هذا ما كان يستهلكه بكثرة أبناء فقراء هذه البلدة الأمينة.
في هذه الأثناء - أثناء بناء المفهوم- يدق مرزوق حارس المدرسة الباب بلطف مستأذنا. ثم يدخل حاملا بين يديه ورقة تبـيّـنت بالكاد جُزءاً من عنوان موضوعها:« دعوة لحضور …». خمنت قليلا وقلت إنه موسم التكوين. لأن التكوين عندنا موسمي وقد يمتد أسبوعا مثل العديد من المواسم. منذ مدة أصبحت عندي حساسية من هذه الكلمة.لا ارتاح عند سماعها. لا أعرف لماذا بالتحديد.

ينتشلني السيد مرزوق من تفكيري ويبادرني بالسؤال:
– "كي دايرة الدعوة أسي عبد المجيد ؟ “(الدعوة هنا لا علاقة لها بدعوة حضور التكوين)
هكذا كان يناديني رغم أنني ذكرته باسمي عدة مرات. أحدس أنه يمهد بسؤاله عن أحوالي لشيء ما. يضع الورقة فوق المكتب.
-" أسيدي مجيد ما نلقاش عندك شي 50 درهم حتى لراس الشهر؟ "
"كم من حاجة قضيناها بإرجائها لآخر الشهر.كم يمكن لآخِر الشهر هذاأن يتحمل ؟" أقول في نفسي. أمد يدي إلى جيبي. أخرج ورقة نقدية. أناوله إياها. يأخذها بخفة، يرتب أوراقه ثم ينصرف.
يتركني لحالي أتدبر أمر سفر التكوين. (لا أقصد أسفار التوراة)

*****
عدت إلى التلاميذ لمواصلة الدرس. محاولا هذه المرة التوسع أكثر. أليس للكفاية امتدادا!؟ ألايمكن توظيفها داخل سياقات جديدة؟
سألت التلاميذ: "هل للإنسان عدة وجوه؟ "
بدا السؤال مبتذلا عند البعض وسخيفا أو تافها عند الآخرين. رفعوا أصابعهم. أجمعوا على أن للإنسان وجه واحد لا غير باستثناء تلميذة كانت تغرد خارج الإجماع. أجابت مترددة:
" قد يكون له وجوها أخرى يا أستاذ لا نراها نحن الأطفال."
أحسست بها وكأنها قرأت أفكاري وفطنت إلى ماكنت أرمي إليه من خلال السؤال. وددت لو أحتضنها (احتضان الأب لابنته) لكني تذكرت أن السيد رئيس حكومتنا السابق أوصانا بعدم تقبيل الأطفال عندما خاطبنا – نحن المعلمين والمعلمات – لما قال بالحرف: «ماتبقاوش تبوسو الأولاد، واحترموا الأجساد ديال الأطفال ديالكم ...»
قلت في نفسي (هذه الأيام أصبحت أحدث نفسي كثيرا، أتمنى الا يكون هذاعرَضًا لمرض نفسي) قلت ستكبرون يوما يا أبنائي وستدركون – كما أدركت ذلك زميلتكم الآن – قبل مرور العمر بأن للإنسان وجوها أكثر مما تتصورون. قد تتعدى عند البعض وجوه المكعب. وجوه يرتديها الإنسان، لا ترونها الآن لأنكم مازلتم صغارا أو أن مجال الرؤية لا يسمح بذلك الآن.

*****
وزعونا على عدة قاعات. بكل واحدة عشرون أستاذا وأستاذة. في القاعة الكل يتكلم. يدخل المكلف بالتكوين، يلقي التحية. يسود الصمت. يضع أمامه بعناية بعض الأوراق أعدها سلفا. طلب منا أن نُكون مجموعات صغيرة من ستة أو خمسة أفراد مع مراعاة النوع. امتثلنا.
أخرج من جيبه حاملا (USB) ركبه على مكان مخصص له في الجهاز. طلب منا إنزال الستائر لتعتيم القاعة وحجب الضوء الطبيعي، ثم سلط مسلاطه فسقطت هالة من الضوء على شاشة العرض وبدأت تظهر بعض الشرائح. أبهرتني أنا البعيد عن عالم الأضواء.
حدثنا المكون في البداية عن أهداف التكوين ومراحله. سمعته بصوت وقور يقول:« في إطار …وتماشيا مع… ووعيا من الوزارة بضرورة …ونظرا للمكانة التي يحتلها ….. وتنفيذا لمضامين المذكرة رقم ...الصادرة بتاريخ….» إنه يحفظ حتى الأرقام والتواريخ!
ولكم أن تقيسوا على ذلك ما شئتم من المفاعيل المؤجلة، عفوا لأجلها. وهذه الجمل يمكن أن تُولِّد عددا لا متناهيا من تركيبات الجمل باعتماد نظرية النحو التوليدي عند تشومسكي.
تبدو لي هذه الجمل -أنا القادم من قرية نائية - بادية الظلمات *- منمطة (stéréotype) وفيها شيء غير قليل من الخشب. فأهيـــــــــــــــم.

ألقي نظرة من حولي. أماما هناك من يحاول أن يبدي اهتماما مبالغا فيه. يمينا أستاذة منشغلة بتدوين بعض الملاحظات. في الجهة الأخرى، أستاذ يبدو عليه الإرهاق ربما من عناء السفر. يتثاءب بين الفينة والأخرى. يوقظ فيَ رغبة جامحة في النوم. بجانبه أستاذ منشغل بأشياء أخرى. تراه يخربش بين الفينة والأخرى في ورقة، يخط خطوطا عبارة عن طلاسم لا يفك رموزها إلا الراسخون في علم الخطوط أو خبراء الغرافولوجيا (graphologie). في الجهة الخلفية رجل شاب (من الشيب وليس الشباب). عرفت من خلال تاريخ توظيفه أنه قضى في التعليم سبعة وثلاثون سنة مما تعدون! اشتعل رأسه همّا. يحمل بين يديه مسبحة. كان يزجي بها الوقت. لكل واحد منا طريقته الخاصة والمبتكرة لتجزية الوقت. كل في واده يهيم.

ما يخلصني من رتابة هذا الزمن الحلزوني هي مخيلتي. هي الوحيدة التي لم تُدجن بعد. أفك الارتباط بهذا العالم (déconnexion) وأدخل في حالة إسبات (hibernation) وأغرق في عالم الأحلام.
أحلــــم أن تنتهي ساعات التكوين بسرعة
أحلــــم أن يُكون الأساتذة نفسهم بأنفسهم.
أن يسود المديرون ولا يحكمون
أن يزحف الربيع وتورق الازهار وتينع.
أن تصبح كل شهور السنة فبراير. فبراير الأولى، فبراير الثانية والثالثة…
أن تنتصر البارصا على الريال. لأني لست من أنصار الفريق الملكي.
أحلــم بحقيقة أخرى وغد مختلف
أحلــم ألا يوقظني أحد حين يكون الحلم ورديا لذيذا وجميلا. رغم أن الأحلام اللذيذة ما عادت تراودني منذ أمد بعيد.

توقظني من أحلامي أصوات الكراسي من أثر الجر. ينفض الاجتماع. أسمع صوتا خافتا يُنبئنا بأن الغذاء جاهز. أرى نورا ينبلج في العتمة. أنسل إلى الخارج. أملأ صدري هواء نقيا.
خرجت وأنا شبه مقتنع بأن التكوين الذي ينطلق من الواقع ليستجيب لحاجياتنا وتساؤلاتنا الملحة ويهدف إلى تطوير الآداء لا يزال بعيد المنال.

أليست هذه وجهة نظر من زاوية أخرى؟

حميد وشاني في 24 اكتوبر 2017السنة الموافقة لإعفاء حصاد.
*****
تنويه: الأشخاص والأحداث الواردة في النص شبه مُتخيلة. وأي شبه مع الواقع فهو شبه مقصود.
*بادية الظلمات لا علاقة لها برواية تحمل نفس الاسم لعبد الرحمان منيف





art. n° 939











للإتصال بنا
إتصل ب حميد وشاني
وشانن - أحفير - لمريس
hamid@ahfir.eu
© 2019 - yawmiate.ahfir.eu